تنمية بشريةشرعي

بناء الفرد المسلم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ص.

إن بناء الفرد المسلم يبدأ ببناء نفسه منذ اللحظة الأولى من الولادة, والخروج إلى معترك الحياة العصيبة، ويستمر هذا البناء حتى اللحظة الأخيرة من حياة الإنسان قبيل موته وانتقاله إلى الدار الآخرة، فعلى قدر الجهد والبذل والإتقان في بناء الفرد لنفسه في الدار الأولى، ستكون الثمرة في الدار الآخرة، وبِقَدْر ما يبني الإنسان في نفسه من المعاني الإيمانية، ويزكيها ويترفّع بها عن الدنايا والأدران، سَيَنْعَم بالجزاء والثواب والاطمئنان، والفوز بما أعَدّه الرحمن من الجنان.

       ونحن مأمورون بالاهتمام بأنفسنا وتزكيتها وتطهيرها من كل الأدران والقذارات، وتحصين قلوبنا من غزوها ومن مكايد الشيطان ومناوشاته.

فصلاح الحياة وفسادها يكمن في صلاح النفوس والقلوب والأفئدة وفسادها.

ولكي يعمل المسلم على بناء نفسه عليه أن يعرف أولاً معنى البناء الحقيقي للنفس، فبناء النفس هو تربيتها على الأعمال التي تقرب إلى الله تعالى مع ترك الأعمال التي تؤثر سلبياً على النفس والدين.

فبناء النفس هنا يشمل التربية على التعاليم الإسلامية؛ بتنمية مَلَكات الفرد وقدراته على اختلافها من أجل بلوغ كماله العقلي والنفسي، وتنمية قدرات المجتمع كذلك من أجل تحقيق تطوّر أفضل، وتقدّم اجتماعي أكمل، وِفق المبادئ والقيم الإسلامية.

كما يشمل التزكية، وذلك بتعليم النفس وتذكيرها، وهذه كانت من أهم مهمات الرسل عليهم الصلاة والسلام على مرّ العصور.

فتزكية النفس تتم بتطهيرها من الشرك وتحقيقها للتوحيد وما يتفرع منهما، والتخلّق بأسماء الله الحسنى، مع عبودية كاملة لله تعالى بالتحرّر من دعوى الربوبية، وكل ذلك بالاقتداء بالنبي ص.

وعلى كل مسلم أن يعلم أن الغاية من بناء النفس هو عبادة الله تعالى، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ))، الذاريات، والعبادة بمفهومها الواسع جداّ تشمل الحياة بجميع جوانبها، ((قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) ))، الأنعام.

أما عن كيفية البدء ببناء النفس فهو يتم من خلال:

أ- مخالفة النفس مباشرة.

ب- صحة المُنْطَلق، وهذه تتحقق بما يلي:

  1. نقطة البدء: أين أنا الآن؟ وإلى أين سأصل؟
  2. تحديد الهدف: وهو رضا الله جل جلاله.
  3. حُسن النية: والنية هي أداء الواجب.
  4. صواب الطريق: وذلك بالحذر من الوقوع في البدع واتباع النبي ص.

ولقبول العمل شرطان:

أ- الإخلاص.

ب- أن يكون العمل صواباً.

  •  قوة التعلّق بالمطلب: وهذا سبب مهم للتخلص من النفس.
  • علوّ الهمة وقوة الرغبة.
  • الصبر والاحتمال وعدم الاستعجال.

كما أن هناك مقومات لبناء الفرد لنفسه ومنها:

1- التقرّب إلى الله تعالى بما يحب ويرضى من الأقوال والأفعال سواء الظاهرة منها أو الباطنة.

2- المجاهدة: قال تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ))، العنكبوت.

فالنية والإخلاص من أهم عوامل بناء النفس وتزكيتها، وكل ما لا يُراد به وجه الله يضمحل ويتلاشى.

3- المحاسبة: وهذه تتم قبل العمل؛ هل العمل مشروع أم لا؟

وأثناء العمل؛ هل أنت مخلص أم مراءٍ؟ والمسلم أعلم بنفسه لأن العمل ربما يبدأ خالص لله تعالى ثم يشوبه الرياء أثناء أدائه.

ومحاسبة بعد العمل؛ إن كان هناك تقصير أو مخالفة لأمر الله.

4- المداومة على العمل وإن قلّ.

5- مجالسة الصالحين وأصحاب الهمم العالية.

6- الخلوة مع الله والدعاء.

7- تدبر كتاب الله والوقوف عند أسماء الله الحسنى وصفاته العلا.

8- المراقبة في السر والعلن.

9- معرفة طبيعة النفس وأنها ميّالة للكسل والهوى، مما يدفع لمجاهدتها.

هذه بعض المقومات الأساسية التي من خلالها يستطيع المسلم بناء نفسه بناءً حقيقياً.

لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، وأمره بتربية نفسه وتخليصها من كل ما يضرها، ويُعَكّر صفوها.

فالإنسان مكوّن من ثلاثة جوانب مهمة لا يستقيم بناء نفسه إلا بالتوازن بينهما وهي:

  1. البدن (الجسم): وبكون الاهتمام به من خلال الاعتدال في الأكل والشرب، والرياضة البدنية، والنظافة وحُسْن الهيئة.
  2. 2-   العقل: ومن وسائل بناء العقل: طلب العلم وإتقان التعلُّم، وتعلّم لغات أخرى، وتنمية فن الحوار والذي هو لغة الأقوياء.
  3. الروح: ويتم صقلها بالعبادة والقرآن، والصحبة الصالحة ومجالس الإيمان والذكر، والدعاء المأثور.

وأخيراً.. إننا مدعوّون الآن وأكثر من أي وقت مضى ليهتم كل فرد بنفسه وتطهيرها من المفاسد والمُضِلات، مستعيناً بالهدي الرباني والنهج النبوي، قال تعالى: (( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ))، الأنعام، مستحضراً دائما وأبداً قوله تعالى: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿7﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿8﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿9﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿10﴾ ))، الشمس.

ومن أراد الاستزادة بخصوص الموضوع بإمكانه العودة لكتاب أصدرته بعنوان بناء النفس؛ فيه الكثير من التفصيل حول الهدي القرآني والهدي النبوي في بناء الفرد، كما أدرجت فيه فصلاً كاملاً عن المواجهة مع النفس؛ خاصة ما يتعلق بحالة النزاع بين الخير والشر والصراع النفسي مع القلب والذي من الطبيعي أن يتعرض له الإنسان أثناء رحلة بناء نفسه وفق منهج الله تعالى.

واللهَ أسأل أن يتقبل منا ومنكم.. والحمد لله رب العالمين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق