تدوينات

ركام منزل، وشهادة نجاح

الحياة غابة لا يعيش فيها إلا الأقوياء، هكذا علّمتنا مدارس العُمر، وأحلام شبابنا كانت ليس أكثر من أن يعيشوا حياةً كالحياة، يحقِّقوا طموحاتهم، ويصلوا لأهدافهم.

أفروديت بيطار، شابة سورية نشأة وترعرعت بين جدران منزل في مدينة معرة النعمان، حيث يعود أصلها إلى مدينة معرة مصرين في محافظة إدلب شمال سوريا.

بيطار مثلها مثل بقيّة شعب رفضَ عيش الاستبداد، وخرج ضد طاغية العصر بشار حتى ينال الحرية، ويعيش بسلام بعيدًا عن سطوة الجلاد الحاكم.

فقدت أفروديت فلذة كبدها، وكتفها الثابت الذي لا يميل، فقدت كلمة “أخي” بعد أن راح ضحية الهُتاف الشعبي، والمطلب السلمي، لم تنتهي الحكاية هناك فحسب، إنها أيضًا ودّعت ركام منزلها الذي هُدم بقصف الظلم الجائر.

خرجت أفروديت إلى المنفى بعام 2013، وهي تحمل معها طموحات عمر، وأهداف حياة، التي كانت تسهر الليالي من أجل الوصول إليها، تحمل معها آلام وآمال، هموم وأوجاع .. كيف وقد فارقت وطن .

وصلت إلى مكان كل ما فيه غير الذي كان، وجوه مختلفة، ألسنٌ مختلفة، عادات وتقاليد مختلفة، منازل مختلفة، كادت هناك تفقد معنى أن تنجح وتصل لما كانت أن تريد بعد ضياع عام من عمرها بعيدة عن مقاعد التعلم، وكل يوم في عامها ذاك يتجدد لأفروديت شعور الخيبة.

ثم عقدت النية والتحقت بإحدى المدارس وأكملت الثانوية ثم خرجت منها بتفوق، ومن هناك أتى بصيص نور، وشعلة منحتها دفعة أمل، فنهضت فوق جراحها، فوق غربتها، فوق شوقها وحنينها، نهضت على عزم ممتد من عبير ذكرياتها، ومن ملامح معلّمتها التي علمتها الحرف الأول، وأقرأتها السطر الأخير..

ثم ولجت إلى إحدى الجامعات التركية لدراسة إدارة أعمال، لكنها كانت في صراع الصعوبات المادية، وفراق الأهل ! فأجبرتها السنة الأولى إلى مضاعفة الجهد، وبذل الوقت، حتى اجتازت المضار الأول بنجاح مبهر أنساها تعب عام .

مضت السنين، خاطفة معها ليالي من التعب الدؤوب، خاطفةً معها أيام الصيف والشتاء مع الكتاب المبلل من المطر، والجبين الذي عرق من شدّة الحر.

ثم وهاهي أفروديت حققت أحلامها، ووصلت إلى ذلك الحلم الذي رسمتهُ على ركام منزلها بدمِ أخيها الشهيد، موقّعة نجاحها بحبر العزم، على ورقة سُجِّل عليها ” سوريا ” .

أفروديت تنصح جميع الطلبة الطامحين لمتابعة دراستهم أن حين تكبو إنهض، فالفشل لا يعني نهاية العالم ؛ لأنك حين تبحث ستجد اشياء جميلة وقلوباً تحمل الخير في هذا العالم تستحق منك أن تبدأ من جديد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق