منوعات

خطابُ المُلثّم.. يوم أذهب الظمأ وروّى العروق

في مثل هذا اليوم بالتحديد من عام 2014م؛ كان قد مضى أربعة عشر يوماً على العدوان الصهيوني الغاشم على قطاع غزة المحاصر، ذاق فيها شعبنا شتى معاني الظلم وعاش فيها تفاصيل القهر، وتجرّع فيها مرارة فقد الأحبة وفلذات الأكباد؛ فلقد بدأ العدوان -الذي استمر لـ 52 يوماً- بقصف جوي عنيف قدّر بـ 500 غارة جوة خلال 48 ساعة فقط، طالت أهدافاً مدنية ومؤسساتٍ حكومية وبنى تحتية وشبكات الكهرباء والاتصالات وغيرها، رغبةً من العدو في إحداث صدمة كبيرة لقيادة المقاومة تفقدها صلابتها ورباطة جأشها من جهة، وإحداث أكبر قدر ممكن من القتل والتدمير والإرهاب في صفوف المدنيين أملاُ في دفع شعبنا للاستسلام ورفع الراية البيضاء من جهةٍ أخرى؛ لكنهم خابوا وخسروا.

في اليوم الرابع عشر من العدوان شنّ العدو الصهيوني هجوماً جوياً وحشياً على حي الشجاعية الذي أضحى يشكّل عُقدة نفسية يعاني منها قادة العدو، أملاً في كسر صموده وثباته وإرادة سكّانه، فأعمل فيهم سياسة الأرض المحروقة، وسحق الأخضر واليابس، ومسحَ حاراتٍ بأكملها، وهدّم البيوت على رؤوس أهلها؛ فهام المدنيون العزّل على وجوهم لا يلوون على شيءٍ سوى الفرار من جحيم الطائرات وقذائف الدبابات، ليرتقي على إثر ذلك ما يزيد عن 60 شهيداً ويسقط المئات من الجرحى؛ انتقاماً من المدنيين العزل حين فشل العدو في مواجهة الأبطال بميادين القتال وساحات النزال ، وذلك بعد أن فاجأت فصائل المقاومة العدو بحجم الاستعدادات والتجهيزات والكمائن التي أعدتها له مسبقاً، إن هو أقدم على الدخول البري للقطاع، فكان للمقاومة ما أرادت.

حالة من الصدمة والحزن الشديدين سادت قطاع غزة بعد مجزرة الشجاعية، وبات اليأس يتسلل إلى قلوبهم شيئاً فشيئاً تحت ضغط القصف الشديد والمتواصل؛ وذلك مع ازديادٍ مطّرد في أعداد الشهداء والجرحى، ولعظيم ما رأى الناس من أهوالٍ يكاد شعبنا لم يشهد لها مثيل منذ احتلال فلسطين عام 1948م، وبقي الوضع على ذلك، بين قصفٍ وتدميرٍ وقهرٍ للمدنيين وصمودٍ وثباتٍ وإقدامٍ للمجاهدين حتى مساء يوم الأحد 20/7/2014م، حين أعلنت كتائب القسام عن خطابٍ مهم للناطق العسكري باسمها للحديث عن شيئٍ ما بخصوص العدوان.

لم يكن هذا الخطاب كغيره من خطابات “أبي عبيدة” التي عهدناها عليه أنها ترفع الهمّة وتزيد العزم وتوقد الحماسة في قلوب الشعب وأبنائه من المجاهدين والمقاومين؛ حين يظهر في أشد الأوقات وأحلك الظروف ليحمل لنا البشارة، أو ليرسل بها رسائل التحدي للعدو، أو يخاطب بها شعبنا وأمتنا ويعدهم بالثبات والنصر، إن لهذه الكلمة للمجاهد “أبي عبيدة” وقعٌ خاصٌ في قلوب أبناء شعبنا وأمتنا الذين عايشوا وتابعوا العدوان الغاشم عام 2014م عن كثب، فلقد جاءت بمثابة الماء الزلال الذي أذهب عن شعبنا الظمأ وروّى العروق وطرد الحَّزَن الذي كاد أن يفتك بهم لولا تثبيت الله ومعيته، ثم بطولات المجاهدين على ثغور غزة العتيدة.

حالة من الترقّب والانتظار عمّت أرجاء القطاع المحاصر، وبتنا يومها نعدّ الدقائق والثواني وكأنها الدهر، وبدأت عقارب الساعة تقترب شيئاً فشيئاً من الموعد المرتقب، فهاجت القلوب وماجت واشرأبت الأعناق واستطالت؛ انتظاراً للقول الفصل، حتى أطلّ المثلم صاحب الكوفية الحمراء على شاشات التلفزة المحلية والعربية وبدأ بالحديث حول مجريات اليوم الرابع عشر للعدوان.

استهلّ “أبي عبيدة” خطابه بالحديث عن مجازر العدو بحق شعبنا، وعن محاولاته الفاشلة للتوغل البري للقطاع المحروس بحفظ الله والمؤيد بقوته، وعن بطولات المجاهدين البررة في التصدي لأعتى جيش في الشرق الأوسط بل في العالم؛ من حيث التسليح والقدرات التقنية والتكنولوجية، فذكر عدداً من عمليات الانزال خلف خطوط العدو خلال ثلاثة أيامٍ مضت وتحدّث عن عمليات القنص والاستهداف للدبابات والآليات، في معارك التصدي للتوغل البري على تخوم القطاع.

دقائق من الصمت والهدوء غير المسبوقين سادت قطاع غزة حينها، وكأن الحرب وضعت أوزارها وانتهت فصولها، فالشعب الفلسطيني بأسره في الداخل والشتات كان يتابع الخطاب، وكذلك كانت المنظومة الأمنية والاستخباراتية تترقب بحسرةٍ وألمٍ ما تخفيه عن المجتمع الصهيوني، وما “قد” يعلنه “الرعب القسامي” عن مجريات العملية البطولية التي نفذتها نخبة القسام شرق حي التفاح.

مضى ثلاثة أرباع الخطاب وما زال أبي عبيدة  يتحدث عن سير المعارك وبطولات المجاهدين في التصدي للعدوان، لكن الشعب كان ينتظر المفاجأة التي يشفي بها غليله ويُذهب به غيظه من هول الجرائم التي رآها في أول أسبوعين من العدوان، وأخذ الملثّم يسرد تفاصيل الكمين المحكم شرق التفاح والذي نفذته نخبة القسام فجر يوم الخطاب، حين استدرجت كتائب القسام قوة مؤللة كانت تحاول اقتحام حي التفاح لحقل ألغام معد مسبقاً، فوقعت القوة في الكمين وتم تفجير حقل الألغام في الآليات التي أصبحت كومة من الخردة، وهاجم المجاهدون الآليات وفتحوا أبوابها وأجهزوا على باقي الجنود من نقطة صفر، ما أسفر عن مقتل 14 جندياً صهيونياً، اعترف العدو ببعضهم ورفض الاعتراف بكامل التفاصيل عن العملية.

في هذه اللحظات من نهاية الخطاب بالتحديد كانت عائلات حي الشجاعية المثقلة بالجراح والألم والمعاناة تتابع ما يقوله “أبي عبيدة” من مستشفى الشفاء الذي اكتظ بسكان الحي المنكوب الذين هُدّمت بيوتهم وشُرّدوا في طرقات وأزقة غزة، ولم يجدوا سوى المستشفيات والمتنزهات ليلجؤوا إليها فراراً من آلة القتل والارهاب الصهيونية.

وما أن ختم أبي عبيدة حديثه عن الكمين المحكم شرق التفاح ببعض كلماتٍ بدأها بقوله: “لكن الذي لم يعترف به العدو اليوم..”، ثم كررها مرة أخرى مُردفاً : “هو فقده لأحد جنوده في هذه العملية… إن هذا الجندي هو أسيرٌ لدى كتائب القسام في هذه العملية”، حتى ضجّت غزة بأصوات التكبير والتهليل من شرفات البيوت وساحات المستشفيات، ونسيت عائلات الشجاعية جراحها وآلامها، وكأن الله أرسل لهم ولنا هذه الهدية لتمسح عن قلوبنا شيئاً من الألم والحسرة على فقدان الأحبة وهدم البيوت وتهجير العائلات، وخذلان شعوب الأمة التي وقفت موقف المتفرج على غزة وأبطالها وهم يكابدون مرارة الظلم والقهر وحدهم في الميدان.

هذا يومٌ مشهودٌ من أيام الله عرفنا فيه جيداً بالمعايشة الحقيقية والتجربة الواقعية معنى قوله تعالى: “حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق