اشرقات ثقافيةتدوينات

الأولوليات في الأزمات

إن الأزمات تتطلب منا معالجة الأمور وفق فقه الأولويات، وزارة الصحة في محافظة الخليل تُجري مسحات بأعداد هائلة منذ أسبوعين، هذا شيء جيد، ولكنه ليس الأهم في هذه المرحلة الحرجة.

فكلما زاد عدد المسحات، فمن المنطقي أن تطول مدة الانتظار للحصول على النتائج، ومن المنطقي أيضاً التأخر على المصابين بعمل المسحة الثانية أو الثالثة أو الرابعة حسب ما يقتضيه الأمر.
لا أنكر أن لإجراء المسحات على نطاق واسع أهمية، فهي تعطينا نوعاً ما انطباعاً عن مدى انتشار الوباء في المحافظة، وتحصر المصابين الذين يتوجب عليهم عزل أنفسهم، لحماية من حولهم من الإصابة. بالإضافة إلى ذلك تُمكن القائمين على إدارة ملف الوباء من التنبؤ بما ستكون عليه الأرقام في الأسابيع القريبة القادمة، وبناءً على ذلك يقدمون توصياتهم إلى الحكومة، لاتخاذ خطوات تتناسب مع المرحلة التي يمر فيها الوباء بالمنطقة.

ولكن هذه الأهمية تصبح بلا أهمية حين يكون الحديث عن منطقة أعلنت الحكومة أنها منطقة موبوءة، حينئذ يكون عمل المسحات بهذه الأعداد نوعاً من الرفاهية، واستهلاكاً لطواقم الطب الوقائي، وللمختبرات.
____________________
برأيي الشخصي ونحن في هذه المرحلة الحرجة من ارتفاع المنحنى، علينا أن نعالج الأمر بأسلوب عملي أكثر، فمن الممكن مثلاً الاكتفاء بعمل المسحات للفئات التالية:
١.المرضى المخالطين الذين ساءت حالتهم السريرية، ويعانون من أعراض حادة في الجهاز التنفسي. و المخالطين الذين يعانون من أمراض مزمنة، ومن المتوقع أن تكون المضاعفات عليهم خطيرة فيما لو أصابهم الفيروس. والنساء الحوامل.

٢.الطواقم الطبية من أطباء وممرضين من العاملين في المشافي، كونهم الفئة التي تتعامل يومياً مع الفئة الأضعف مناعةً في المجتمع، والأكثر مرضاً.

٣.عند إصابة فرد في العائلة، لا يوجد داعٍ لعمل مسحات لجميع من يسكن معه في المنزل، فالمنطق العلمي وحسب فهمنا لطبيعة انتشار هذا الفيروس فالاحتمال الأكبر أنهم جميعاً مصابون بالفيروس، أو مصابون قد تعافوا منه، حتى لو أظهرت المسحة نتيجة سلبية، لإن النتيجة السلبية للمسحات لا تعني أن الشخص سليم، بل تحتمل أربع تأويلات:
١. سلبي قد تعني أنه سليم لم يلتقط العدوى، وغير حامل للمرض..
٢.سلبي قد تعني أنه مريض كورونا سابق، أصابته الكورونا وتعافى منها، غير معدي.
قد تكون قد أصابته بالأشهر الماضية وحسبها إنفلونزا، ولا يمكننا الجزم بهذا إلا من خلال فحص الأجسام المضادة المخصص لهذا النوع من الفيروسات.
٣. سلبي قد تعني أن الشخص حامل لفيروس كورونا، ولكن المرض في بدايته وتركيز الفيروس ضعيف لذلك لم يظهر في العينة، هذا الشخص يُشكل مصدر عدوى للأخرين رغم أن نتيجة مسحته سلبية. وتجدر الإشارة أيضاً أن تركيز الفيروس يكون ضعيفاً في المراحل الأخيرة من المرض وقد لا يظهر في المسحة أيضاً.
٤.سلبي قد تعني أن الشخص مريض، وتجاوز الفيروس الجهاز التنفسي العلوي واستقر في الرئة،وتسبب بالتهاب فيها. رغم ذلك تكون نتيجة العينة سلبية أحياناً لأن الفيروس متمركز في الرئة وليس بالحلق. وهذا الشخص يشكل مصدر عدوى للأخرين. يمكن إثبات إصابته بأخد المسحة مرة ثانية أو ثالثة أو رابعة حتى. وإن كانت الأعراض شديدة يمكن إجراء تنظير للقصبات
الهوائية واستخراج المسحة من هناك للتحقق من إصابته.

____________
شهادات من الواقع:

المواطن م.ي.ع من مدينة دورا، يقول: عانت زوجتي الحامل والتي تعاني من الربو أصلا من أعراض حادة في الجهاز التنفسي، رفض المشفى استقبالها لإن نتيجة فحص الكورونا لم تظهر بعد، رغم مرور أربعة أيام على إجراء الفحص.

المواطنة ج.ا.س من بلدة بيت عوا: بالأمس كان الطب الوقائي في بيت عوا، كان الفحص دعوة عامة لمن يرغب، مش حرام ٢٠٠ مسحة ياخدوا وقت بالمختبرات، لمجرد إنه الأشخاص حبوا يفحصوا حالهم.

المواطنة الطيطي من مخيم الفوار التي توفت اليوم، رفض مشفى دورا استقبالها لإن نتيجة فحصها لم تظهر بعد!

أما آن الوقت أن نتعامل مع الأمر وفق فقه الأولويات!!!

______________

إن كان ولا بد أن الوزارة ستستمر بعمل هذا العدد الهائل من الفحوصات في المحافظة، فعلى الأقل يمكنها تقسيم المسحات قبل إرسالها إلى المختبرات إلي صنفين، مسحات مستعجلة ومسحات المخالطين. حتى يتسنى للمختبر أن يفرز المسحات المستعجلة ويبدأ بالعمل عليها فور وصولها.
هذا التقسيم عملي جداً، ويمكن تطبيقه، فلقد مررنا بهذه التجربة في ولاية البايرن بشهري آذار ونيسان، أثناء ارتفاع منحنى الإصابات، فقد كنت أعمل في مشفى بمدينة صغيرة، لا يوجد فيها مختبر خاص بها، والمختبر الأقرب لنا يقوم بعمل الفحوصات لعينات المشفى من المرضى، ولعينات وزارة الصحة التي تقوم بعملها للمخالطين، ولبعض العيادات أيضاً، ومع الوقت اتسعت دائرة المخالطين إلى أن وصل الأمر بنا أن نحصل على النتائج بعد خمسة أيام، ومن ثم ازدادت أيام الانتظار حتى وصلت عشرة أيام، وفي آخر الأمر وصلت مدة الانتظار لاثني عشر يوماً!!!!!
بالنسبة لنا كانت كارثة، فنحن في المشفى لا نتعامل إلا مع المرضى الذين يعانون من أعراض تنفسية حادة، أو مرضى السكري والضغط إلى آخره من مرضى الأمراض المزمنة.
لحل هذه المشكلة كان الأمر جداً بسيط، بالإتفاق مع مكتب الصحة والمشفى والمختبر، قرر المختبر أن يرسل لوزارة الصحة وللمشفى أكياس تغليف نضع بداخلها المسحات المستعجلة، بناءً على الحالة السريرية للمريض.
وفعلاً تم الأمر وأصبحنا نحصل على نتائج المرضى بعد يوم واحد فقط من إجراء المسحة، باقي المخالطين أو الشباب المرضى الذين غالباً لا يشكل الفيروس خطراً على صحتهم بقيت تصل نتائجهم بعد عشرة أيام، أو أكثر.

لم أكتب هذا المقال من باب النقد الفارغ، ولكن حتى لا نبدأ من حيث بدأ الآخرون، بل من حيث انتهوا ونستفيد من تجاربهم، فهذه رسالة لمن بيدهم القرار في هذا الأمر وأتمنى أن أجد لها أذناً صاغية. فأنا لا أقلل من شأن ما تقوم به وزارة الصحة بموضوع الفحوصات في محافظة الخليل، ولكنني أتمنى أن تقوم الوزارة بهذا الأمر بعملية أكثر وبتفرقة بين ما يجب فعله، وبين ما يتوجب علينا فعله بالسريع العاجل.
كونوا بخير، عدينة السويطي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق