تدوينات

مقاعد الذكرى

لا أعلم لم أعود بالذاكرة للوراء دائمًا، لا أعلم لم أسرد حكاية أكل عليها الزمان وشرب، كل ما أعلمه أن قلمي قد سبقني لأن يخط هذه الحروف بحبرٍ من دم الوتين!!

ربما لحقدي على ذلك السِّجن، نعم هكذا أسمي تلك الصورة التي رُسمت بمخيلتي عن صفوف تلك المدرسة، التي أنساني الدهر كل تفاصيلها إلا عصا المُعلّم والمدفئة ..

نعم المدفئة التي لم يكن يشعر بحرارتها إلا قدم السّجان وكرسِّيه المُلاقص لها حد الذوبان، وهو يُقلب قدميه يمنةً ويسرى خيفة الإحتراق لا أتذكر من تفاصيل سنين الدراسة شيء علموني إياها،

فقط أتذكر ذلك الوحش الذي يدخل علينا كل صباح لتبدأ جريدة التوبيخ، وصيحات الترهيب، أتذكر العصا التي لطالما كُسرت على أيدي الرفاق وأنا من قبلهم..

كنت أنظر لمدخل الباب، أنه هو فتحة النجاة التي من خلالها أتنفس الحياة، وأن الولوج للدخل هو المُعتقل الذي أُجبر على دخوله ست مرات بالأسبوع مُجبرًا، أقود نفسي بقدمان ترتجفان نحو الأسر كنت أمضي وقت الفراغ بدراسة مادّة الأستاذ “محمد عمر رحمه الله” لأنجو من عذابه الذي لا يعرف الشفقة على بكاء طفل،

لكن ربما كان أكثر ما يواسي وحشتي رفيق للحياة كان بجلس معي على مقاعد الذكرى آن ذاك، كنت لا أعرف معه معنى الملل، ولا حتى الشعور بالضجر، كانت ضحَكاتُه هي الموساة التي تفوق معاناة رحلة الدراسة كنت أسمع من المعلمين أننا نحن سنكون الطبقة الكادحة التي ستصنع الأجيال،

لكن الذي لم أجد له جواب كيف تكون العصا هي من تصنع الأجيال ؟!

كيف تكون الدراسة حب لا إجبارًا ؟! كيف أجلس وأنا أبتسم والعصا تدقُّ رأسي ؟!

كيف يا معلمي ؟!

كبرنا .. وباعدت بيننا وبين المقاعد الأقدار دون أن نصل لما كنا .. أو بالأحرى كانوا يخبروننا أننا سنكون!

كان الواقع المرير هو من صرع الأحلام في حلبة الحياة، وقذائف الحقد طيّرت الأوراق بعيدًا، قبل أن نكمل السطر الأخير من رواية ريتا والبندقية العصى كُسرت قبل أن ننفذ خطتنا أنا ورفاقي لنكن نحن من يكسرها، كسرت حينا نزل عليها سقف السجن، والمدفئة انطفأت من شدة رياح الظلم لكن!

صدقًا يا رفاق أحِن، أحِن لكلِّ ما ذكرته من ألم عشناه أيام الصبا أنا وبقية المشاغبين، ربما لو أعادت بنا الأيام للوراء لطلبت من المُعلم أن يطيل الدرس قليلاً رغم كل مافيه من وِحشة وهذا -مُحال- أن يعود ألا ربّ أيامٍ خلت في وصالكم وللنّفسِ منها عِبرَةٌ وخشوعُ تفرّقَ جَمعُ الصّحبِ من بعد عشْرَةٍ وكم هو صعبٌ إنْ تناءتْ جُموعُ جموعٌ على نهج الرّسولِ اصطحابها وليسَ لهم في النّائباتِ خُضوعُ ألا ليتَ شعري كيف أسْلو ببُعْدِهِم وهل للّيالي الفائتاتِ رجوعُ ؟!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق