تدوينات

البوستات القاتلة

اليوم الصبح لما فتحت الفيس بوك تفاجئت بعدد هائل من البوستات بالهوم تتحدث عن انتحار شب من غزة. بعض البوستات يتحدث من منطلق السخط على الظروف، البعض يتناول الموضوع من منطلق ديني ويتحدث عن قوة الإيمان، يرد عليهم البعض الآخر بالاستنكار لموقفهم من منطلق إنساني، ويرد عليهم فريق آخر “كما أنا” ليصمتوا جميعا من منطلق الصحة العامة!

أعلم أن الكثير ممن كتبوا عن الموضوع كتبوه بحسن نية، غير مدركين عواقب هذه البوستات، التي أقل ما يمكن أن يُقال عنها أنها قاتلة! معظم الذين تناولوا الأمر كسبق صحفي، أو كوقفة إنسانية يعبرون فيها عن سخطهم على الواقع، ليست لديهم أية خلفية عن علم النفس، وعن القواعد الصحيحة التي يتوجب علينا الإلتزام بها حين نتداول هكذا حدث، حتى لا نتسبب بزيادة حالات الانتحار بالمجتمع! لأجل هؤلاء أكتب هذا المقال، مع أنني لست من أهل الاختصاص بعلم النفس، ولكن لعلي بهذا أحدُ قدر الإمكان من تداول هذه البوستات القاتلة!!

في العام ١٧٧٤ نشر الكاتب الألماني غوته روايته “آلام الشاب فرتر”. هالرواية لاقت انتشار جداً واسع بين الأوساط الأدبية في ألمانيا وبين الوسط الشبابي. لقد فتنتهم شخصية بطل الرواية فرتر حتى باتوا يقلدونه في لبسه وبطريقة كلامه، حتى في انتحاره!!

وفي العام ١٩٦٢ انتحرت مارلين مونرو في أمريكا. لقد كانت آنذاك من أشهر الشخصيات في عصرها، فراحت جميع الصحف ووسائل الإعلام تتفاعل مع خبر انتحارها على نطاق واسع وتتعاطف معها، وبات خبر انتحارها حديث الناس. فيما بعد لوحظ أن معدل الانتحار بين الشباب في أمريكا ارتفع بنسبة ٢١٪؜ في العام الذي انتحرت فيه مارلين مونرو مقارنةً بالسنوات السابقة.

رواية غوته في السابق وموجة الانتحار التي تلتها، وانتحار مارلين مونرو وموجة الانتحار التي تلته، جعلت علماء الاجتماع يعكفون على دراسة هذه الظاهرة، التي عُرفت فيما بعد بظاهرة فرتر.

منذ انتحار مارلين مونرو وحتى يومنا هذا أُعدت الكثير من الدراسات لدراسة العلاقة بين معدل الانتحار بالمجتمع وبين أخبار الانتحار في وسائل الاعلام. جميعها خلصت إلى أن طريقة تداول أخبار الانتحار في وسائل الاعلام تتسبب في زيادة معدلات الانتحار بين الفئة المعرضة لخطر الانتحار، الذين هم غالباً “بنسبة تسعون بالمئة” مرضى الاكتئاب

للكتابة عن الإنتحار قواعد وأسس على القنوات الإخبارية تحريها، وللكتابة عن الإنتحار وتحليله والتعليق عليه أهل علم واختصاص يجيدون وزن الكلمات قبل نشرها، ويدركون ما يصح و ما لا يصح تداوله عن هذا الأمر بين العامة.

لست هنا بصدد الحديث عن هذه الأسس، لأن المخولين بالكتابة عن هذه المواضيع في وسائل الإعلام ومن ضمنها صفحات وسائل الإعلام في السوشال ميديا يُفترض أن يأخذوا هذا العلم من أهله وخاصته، لأن القاريء لهذه الأخبار يدرك أنهم مفتقرين للأسس الصحيحة لنقل هذه الأخبار! لكنني هنا بصدد إطلاق صرخة تحذيرية للشباب الذين يتداولون هذه الأخبار، ويعلقون عليها سواءً من منطلق رفضها وإنكار هذا التصرف أو منطلق التعاطف مع الميت، لكم أقول: إنكم للأسف تساهمون بنشر ظاهرة الانتحار بالتقليد، حتى لو كانت نواياكم طيبة!

إن كان ولا بد، وتريدون تناول مثل هذه الأخبار في صفحاتكم، فعلى الأقل لا تنقلوا تفاصيل الانتحار للعامة، ولا تأتوا بصور المنتحر بعد موته، بإمكانكم كتابة التعازي في البوستات باستخدام صوره القديمة.

ولا تتعاطفوا مع الانتحار وتجعلوا منه المخلّص لشقاء الحياة، بل تعاطفوا مع أهل الميت، وركزوا في حديثكم عن حزنهم عليه، وعن أن مهما كان سخطهم على الحياة، كانت ستكون حياتهم أجمل لو أنهم لم يفقدوا ولدهم. فالأولاد نجوم تضيء عتمة الحياة لأهاليهم، مهما كانت حياتهم صعبة.

في النهاية أود أن أخبركم أن الانتحار ليس قراراً لحظياً، بل هو في معظم الأحيان نتاج لرحلة صراع طويلة مع مرض نفسي غالباً الإكتئاب، وأنت لا تدري من يجلس خلف الشاشات ويقرأ هذه البوستات القاتلة. فقد يقرأ بوستاتك شاب يقف في هذه اللحظة متردداً بين الحياة والموت، وأنت تكتب الكلمة ولا تلقِ لها بالاً، وقد تقطع بها آخر شريان يربطه بالحياة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق