منوعات

·|| شهداءُ على الأرصِفة ||·

تحتَ سماءِ مدينتي تجدُ أمًّا تحملُ أبناءَها وتُهرولُ بهم تحتَ أزيزِ القذائفِ، تخطو مرعوبةً وسطَ الجثثِ المُلقاةِ على الأرضِ ما بين شهيدٍ وجريحٍ، ما بين جثةٍ وأُخرى هناك حلمٌ مقتول، حقُّ مسلوبٌ، سعادةٌ الْتَهَمَ لذّتَها ذاك القاتلُ الجبانُ،

على مرأى الأعينِ الذّابِلة، هناك ألسنةُ الدُّخانِ تتصاعدُ في عنانِ السّماء، أصواتُ القصفِ يرقصُ عليها المرتزقةُ مصّاصو الدماءِ وأسيادُ الحروب، دماءٌ طاهرةٌ تسيلُ على الأرضِ كَنَهْرِ الفُرات، أشلاءٌ هنا وهناك متناثرةٌ كَأوراقِ الأُقْحُوانِ في فصلِ الخريف، أرواحٌ بريئةٌ تتسلق أحبالَ السّماءِ هاربةً نحوَ رحمةِ الرَّب، تفاصيلُ طُبِعَت آثارُها على قارعةِ الطّريقِ، دُمى البراءة مركونةٌ على أرصفةِ الشوارعِ، ملطخةٌ بِدِماءِ أطفالِها…

صرخاتٌ وآهاتٌ تصدحُ بِمِلْءِ حَنْجَرَتِها منْ تحتِ الأنقاضِ لتُلامسَ أوجاعَها السماءُ، وكأنَّها تعزفُ لحنًا حزينًا لأشخاصٍ مُبْتَلينَ بلعنةِ الفقدِ المستبدِّ، بين خطوةٍ وأُخرى تجدُ على جنباتِ الطَّريقِ شابًّا فقدَ عائلتَه، حبيبًا فقدَ محبوبه، طفلةً فقدت أمَّها، عجوزًا فقدَ أحفادَه،

تحتَ سماءِ مدينتي ما بينَ زُقاقٍ وَشارعٍ ترى الحُبَّ والسّلامَ يَتَلاشَيانِ معَ غبارِ الرُّكام رُوَيْدًا رويدًا، ليصبحَ الحربُ والخرابُ أشباحًا يتجولونَ وسطَ المدينة…

نلوذُ بالفِرار من واقعِنا المريرِ إلى غابةِ الخيالِ الخضراء، لنجعلَ القلبَ أقلَّ عُرضةً للثّقوب، فتأبى الذّاكرةُ إلّا أن تجرَّنا إلى واقعِنا الأسودِ الحالِك؛ لأحداثٍ مُروّعةٍ نجدُ فيها فتنةً وقتلًا وتنكيلًا وتجويعًا وحصارًا ومن ثَمَّ يليه دمارٌ وفقدٌ وشوقٌ وحنينٌ يبقى عالقًا في قلوبنا المكلّلةِ بالخدوشِ!

نحنُ لا نتوقفُ عنِ السيرِ في عالمِ الأوجاع؛ نمضي سُدىً بعجلةِ الألمِ نحوَ فناءِ الحياةِ، هنالِكَ حيثُ حُفْرَةُ الهلع؛ عندما كنتُ طفلًا مُشرّدًا لم أتعدَّ الأربعةَ عشر عامًا، كنتُ أركضُ هَلِعًا داخلَ أزقَّةِ مخيّمي المُدمّر، أتخطى بقدميّ الحافيتَيْنِ جثثًا وأشلاءً منثورةً على الأرض…

ثم أرى نفسي محاصرًا ولم أجدْ منفذًا للهرب فأضطرّ أنْ أقفزَ حافيًا قفزةً تلوَ الأخرى من فوقِهِم متجنّبًا حماوةَ الأرضِ المُتجمّرةِ والجثثَ المُلقاةَ بأحضانِها… كنتُ أركضُ وأنا أسْمَعُ أصواتًا مختلفة… أسْمَعُ قَعْقعةَ السِّلاحِ وضَوْضاءَ المحاربين،

وفي صباحَ اليوم التالي رأيتُ تلكَ العجوزَ بوجهٍ شاحبٍ وعينَيْن مكدودتَيْن، تتوسَّدُ على الطرقات، تنتظرُ عَودةَ ولدِها ليُكفكِفَ دمعَها السيّالَ، وليُضمِّدَ جرحَها الذي نبَشته أظافرُ الحرب! فأتساءَلُ مستغربًا والحزنُ يسنُدُ رأسَه على جدارِ القلب… ما ذنبُ تلكَ المدينةِ التي كانت تعمُّ بالحُب أنْ تُزرَعَ بِداخلِها راءٌ قاتلةٌ؟!

أيَّ ذنبٍ قدِ اقْتَرَفَتْ تلكَ الأرواحُ لتُصبحَ زهورًا تُداسُ على الأرضِ بأقدامٍ حافية؟!

– هنا فلسطين

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق