إشراقات سياسية

“الضم” مَهّدَتْ له أوسلو قبل 27 عاما

لم تكن خطة الضم التي أعلن عنها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وليدة اللحظة ولم تكن كذلك نتيجة للدعم الذي قدمه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترمب عبر ما سُميت بـ “صفقة القرن”؛ وإنما بدأ الضم الصهيوني للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة والأغوار منذ أن وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية أوسلو في 13 أيلول (سبتمبر) 1993 عندما وافقت على تقسيم الضفة لـ 3 مناطق (أ، ب، ج)، وتركت حصة الأسد لسيطرة الاحتلال؛ المنطقة ج أو c والتي تبلغ 63٪؜ من مساحة الضفة وتحتوي على مقدرات وثروات طبيعية وهي، وفق أوسلو، تخضع لسيطرة الاحتلال الإدارية والأمنية.

قبل 27 عامًا بدأ الاحتلال يتحين الفرصة المناسبة لفرض “سيادته” على الضفة الغربية، واتكأ عوضًا عن أوسلو، على عدة عوامل؛ أبرزها التهويد وتزوير التاريخ والمعالم العربية الإسلامية الفلسطينية وتحريف الروايات والتاريخ.. إضافة إلى سلسلة القوانين التي بدأ برلمان الاحتلال بـ “تشريعها” للسيطرة على أراضٍ وأملاك هُجّرَ عنها الفلسطينيين عبر النكبة والنكسة وما بينهما وبعدهما من مجازر وترانسفير وتدمير.

كل ما سبق أوصلنا إلى تغطرس واشنطن والإدارات الأمريكية المتعاقبة وقراراتها العنصرية، مستغلة ضعف وتفرق وشتات المواقف العربية الرسمية التي بات آمروها في يومنا هذا يُهرولون إلى التطبيع مع الاحتلال، رُبما للحفاظ على مناصب وكراسي ستُصبح في الماضي إن غضب منهم البيت الأبيض!

تزامنت تلك الظروف مع حالة انقسام فلسطينية داخلية مستمرة منذ منتصف حزيران (يونيو) 2007، تلقت خلالها القضية الفلسطينية “صفعات” تُوجت عام 2018 بالإعلان الأمريكي الذي خالف القوانين الدولية وأجمعت عديد الكيانات والدول والمنظمات العالمية على عدم أهليته ولا صلاحية مواده لحل القضية الفلسطينية العادلة وإنهاء احتلال متواصل منذ عام 1948.

فقد سعت الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترمب وفريقه للسيطرة على العالم بمجموعة قرارات ومشاريع قوانين ومراسيم خالفت في معظمها القانون الدولي والشرائع التي أجمعت عليها الدول عبر التاريخ من خلال الجمعية العامة والأمم المتحدة؛ لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وثوابتها المختلفة؛ المقاومة وحق العودة والقدس عاصمة لفلسطين وحدها.

ومنذ أن قرر ترمب الترشح للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة بدأ حملته بوعود وقرارات معادية لكل ما هو أخلاقي في القانون الدولي؛ لا سيما فيما يتعلق بـ “الصراع العربي الإسرائيلي” واتهام الأمم المتحدة بأنها منحازة ضد “إسرائيل” في القرارات التي اتخذتها قبل رحيل إدارة باراك أوباما ودخول إدارة ترمب؛ خاصة ذاك المتعلق بالاستيطان في الضفة الغربية المحتلة ووضعية ومكانة القدس ومقدساتها (المسجد الأقصى المبارك) والمسجد الإبراهيمي في الخليل، وليس انتهاءً لمحاولته منع السلطة الفلسطينية من دخول منظمة “الإنتربول”.

وليس خفيًا أن الولايات المتحدة تُلاحق كل ما أقرته الأمم المتحدة والشرائع والهيئات الأممية والدولية من قرارات لصالح القضية الفلسطينية، ومن ذلك قضية اللاجئين ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا”.. تُرِيد من هذا القرار، وهو من أهداف إدارتها الخبيثة، فرض رؤيتها المتطرفة على العالم، استمرارًا لمقولة جورج بوش الابن إبان الحرب على أفغانستان والعراق “من لم يكن معنا فهو ضدنا”؛ وقد وقفت اليوم السلطة ومنظمة التحرير والمقاومة الفلسطينية مُجتمعة موحدة ضد القرارات الأمريكية الجائرة والتي تنصر الجلاد على الضحية وتُطيل عمر احتلال بات الأطول في التاريخ.

وبالعودة إلى مخططات الضم الصهيونية التي يتحضر الاحتلال لتنفيذها، رُبما على مراحل تبدأ بفرض “السيادة والقانوني الإسرائيلي” على كبرى المستوطنات في الضفة المحتلة، نتذكر جميعًا “الخان الأحمر”؛ والذي يمثل الشعرة الفاصلة لـ “ضم” الضفة الغربية.

فمنذ عدة سنوات وسلطات الاحتلال تُحاول جاهدة “سلب” أهالي وسكّان الخان الأحمر، شرقي مدينة القدس المحتلة، أرضهم ومسكنهم واستبداله بآخر بالقرب من مدينة أريحا تارة وأخرى قرب العيزرية.

فقد دأب الاحتلال على سرقة الأراضي ونهبها لحجج وأسباب “واهية” في مظهرها “جريمة” في جوهرها ومضمونها الإحلالي والاستيطاني. وهي تستهدف هذا المكان تحديدًا لاستكمال مشروعها المُسمى بـ “A one”، والذي يستهدف ضم مستوطنات الضفة الغربية ووصلها بمدينة القدس، لكي يقتل “حُلم” الفلسطينيين بإنشاء دولة مستقلة ذات سيادة ومتواصلة جغرافيًا.

محصلة الأمر؛ خطة الضم ليست جديدة بل قديمة قدم عنصرية الاحتلال وبشاعة مجازره والمذابح التي ارتكب بحق فلسطين المحتلة وأهلها.. وكذلك التصدي لهذه الخطة وإفشالها ليس بعيدًا عن شعب لم ينل الاحتلال عبر 72 عامًا، وإفشال كل المؤامرات على قضيتنا الفلسطينية يمر عبر الوحدة الفلسطينية أولًا ومن ثم صياغة والاتفاق على برنامج وخطة استراتيجية تقوم على المقاومة بكافة أشكالها وبمختلف أطيافها وليس أخيرًا الدخول في معركة سياسية تساندها على الأرض مقاومة ببرامج مختلفة، أوضحها وأنجحها حاليًا مسيرات العودة الكبرى التي بدأت نهاية آذار (مارس) 2018، وصولًا لتحقيق حلم الدولة المستقلة ذات السيادة بعاصمتها القدس الشريف وليس انتهاءً بحق العودة وتحرير الأسرى.. هذا فقط ما يوقف غطرسة الاحتلال وعنصرية وهمجية الولايات المتحدة الأمريكية.

أما العودة للمفاوضات أو تقديم مشاريع تسوية سلمية جديدة قديمة تقوم على تبادل أراضي وما شابه فذلك عبث وسباحة في وحل تجربة فاشلة لم تأتي إلا بالدمار والحصار والخراب ولم تجلب سوى الويلات والمزيد من الاستيطان والقتل للشعب الفلسطيني.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق