تربوية

الإدارة التربوية في المدارس الخاصة ودورها الوطني

سلسلة أبحاث تربوية: الحلقة الخامسة

الإدارة التربوية في المدارس الخاصة ودورها الوطني

إن نجاح الإدارة المدرسية يعتمد على قيامها بواجباتها الإدارية المختلفة وعلى مدى امتلاك مديري تلك المدارس للتأهيل والإعداد المناسبين، وحصولهم على ما يؤهلهم لقيادة المؤسسة التعليمية من خبرات ومؤهلات علمية، ومميزات شخصية فريدة.

ولا شك أن نجاح أية مدرسة سواء أكانت حكومية أو خاصة، ومدى نسبة توجه الأهالي لإلحاق أبنائهم فيها يعتمد أساساً على مدى ثقتهم بما تقدمه هذه المدرسة من خدمات تربوية متميزة بطاقمها التعليمي أولاً ومدى قدرتها على توفير احتياجات الطلاب التعليمية والخدماتية والاجتماعية والنفسية والترويحية ثانياً، وقد يُعزى هذا النجاح للمدارس الخاصة إلى تمتعها بإدارة مدرسية مختلفة عما هو متوفر في المدارس الحكومية والعلاقات الإيجابية بين المديرين والمعلمين من جهة وبينهم وبين طلابهم من جهة ثانية وتميز المدارس الخاصة بمناخ تنظيمي يتضمن أبعاده الثلاثة وهي: الانتماء، القدوة في العمل، النزعة الإنسانية ويميزها أيضاً أن معلميها يتمتعون بعلاقات اجتماعية أفضل ورفقة عالية مع بعضهم البعض.

 إن الإدارة في المدارس الحكومية أو الخاصة ما هي إلا تمثيل لمجموعة من وظائف الإدارة التربوية، والصورة المنعكسة في كيفية التعاطي معها، فتوافر التخطيط والتوظيف والرقابة والتقويم والتوجيه وغيرها من وظائف الإدارة التربوية في إدارة المدرسة لا يميز مدرسة عن أخرى، بل يكمن التميز في كيفية التعامل والتعاطي مع هذه الوظائف بكُلّيتها ومدى توظيفها والاستفادة منها إلى الحد الذي يميز مدرسة عن أخرى، ويُظهر الصورة المشرقة لهذه الوظائف ومدى تأثيرها على صورة المدرسة في عقول الناظرين إليها.

كذلك إن مدى بروز قدرة المدارس الخاصة بإداراتها في التعامل مع وظائف الإدارة التربوية سابقة الذكر، فالحرية الممنوحة لمديريها خاصة فيما يتعلق بالوظائف الأساسية من تخطيط وتوظيف ورقابة وتقييم تجعلها تتمكن وبشكل أوسع تأثير في عملياتها الإدارية بعيداً عن بيروقراطية المدارس الحكومية وما تواجهه من صعوبات في التوظيف واختيار المرشحين لشغل وظائفها، لكنّ المدارس الخاصة وسعياً وراء السمعة الأكاديمية تتشدد في عمليات التوظيف وتجري عمليات الرقابة والتقييم بشكل أدق وباستمرارية مهنية تمكنها من تحديد من يشغل الوظائف التعليمية وفق الكفاءة والقدرة العاليتين، وأن تستغني عن أي موظف يكون أداؤه دون المستوى المطلوب، وهنا يكمن الأساس في التميز والنجاح للمدارس الخاصة.

 لذلك فالمدرسة حاملة رسالة الأمة، وحامية حضارتها، وصانعة أجيالها، والأمينة على هذه الأجيال ، فهي أداة الإسلام المنظمة لتحقيق رسالته وأهدافه، وتحويلها إلى نماذج حية، وهي أهم ثغور هذه الأمة التي تحافظ على هويتها بما تصنعه وما تعده من أجيال ، فإما أن تكون المدرسة قلعة الأمة وحصنها الحصين، والصخرة التي تتحطم عليها أحلام الغزاة، وإما أن تكون الثغر الذي يؤتى الإسلام من قبله ، مما يحتم على الأمة الإسلامية، أن تعضد من دور المدرسة، وأن تعمل على تقوية جذورها وأسسها، لكي تقف على أرض راسخة ثابتة من القيم والمثل والمبادئ؛ لأداء رسالتها في إعداد الأجيال المؤمنة ، العابدة المبدعة ذات السلوك الحسن، والأخلاق العالية ، لأن من أهم أدوار المدرسة أن تعدل السلوك الثقافي الخاطئ وفق معايير إسلامية.

إن المدرسة مؤسسة اجتماعية أساسية، أوجدها المجتمع بفعل غزارة التراث الثقافي، وتراكمه وتعقده؛ لتقوم بتنشئة أبنائه وتربيتهم تربية مقصودة، وصبغهم بصبغة مستندة إلى فلسفته ونظمه ومبادئه، ومنسجمة معها، ولهذه المؤسسة خصائصها وميزاتها التي تميزها عن غيرها من المؤسسات المسؤولة عن تنشئة الأجيال.

ومن العوامل التي ساعدت على انتشار المدارس الخاصة وأهم العوامل لإلحاق الأبناء فيها ومنها نجاح المدارس الخاصة تربوياً بالدرجة الأولى، وتحقيقها للسمعة الأكاديمية المتميزة، وقدرتها على اختيار موظفيها، وممارسة الرقابة عليهم، وتخطيط ما ينظم عملهم بشكل واقعي ومتطور، وإجراءات التقويم المختلفة فيها، من تقويم أكاديمي للطلاب، وتربوي وتعليمي للمعلمين والعاملين فيها، فلا يمكن لمدرسة خاصة أن تتهاون مقابل سمعتها الأكاديمية، أو ضعف الأداء التربوي للعاملين فيها.

 إن مطلب أهمية التعليم، و دور المؤسسات التربوية في تطويره، وتطوير دورها من أجل تكوين الفرد والطالب الذي تشكِّله اليوم ليكون ثمرة الغد، ودور المدارس اليوم في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل ومواكبة التقدم ، كما لها دور في صقل شخصية الطلاب أو هي الحضن التربوي الهام الذي يتلقى من خلاله الفرد التربية والتعليم والأدب والأخلاق ، ويبني من خلالها أفكاره ويتوصل لمعتقداته في وقت انتشرت فيه السلوكيات المنحرفة التي بدت تظهر على طلابنا سواء في ثقافتهم وسلوكهم ولبسهم ومظهرهم وشكلهم، أم في أخلاقهم وتعاملهم مع أهلهم ومعلميهم.

وقد جاءت الدراسات التربوية مؤكدة على أن الآباء والمعلمين هم موضع القدوة أكثر من غيرهم ، لذلك وجب على المعلم أن يعد نفسه إعداداً قوياً راسخاً في جميع مناحي حياته الخلقية والمهنية والأكاديمية والاجتماعية حتى يكون نموذجا جيداً، ولكن لا يمكن لهذا النموذج أن ينجح إلا إذا ترجمت هذه المناحي إلى ممارسات واقعية ، يلمسها الطلبة في معلميهم من صدق وأمانة ورحمة وانضباط وحب للعمل والحياة ، واستشعار للمسؤولية، وتواضع وحزم، فبذلك يصبح نموذجاً يحتذي به، وإذا كان المعلم على هذه الحالة فإنه يؤثر ايجابياً على سلوك طلبته في المدرسة ويقتدوا به كما يساعد في تقليص السلوكيات والثقافات السيئة السائدة عند الطلبة.

تميز التعليم في مدارس القطاع الخاص على الدوام، بتقديم تربية وتعليم تعكس توجهات الجهات التي كانت تديرها، واستمر هذا الوضع طوال فترة الاحتلال. فقد اختلفت الأساليب التربوية في مدارسه وإن التزمت بالمناهج الرسمية المقررة.

لقد أبدى القطاع الخاص في فلسطين، خلال مرحلة الاحتلال حيوية عالية، فقد عمل على زيادة القدرة الاستيعابية الصفية، وسد جزء من العجز المتحقق في المدارس الحكومية، وأسهم في وقف التدهور في نوعية التعليم، وفضلاً عن التوسع في عدد المدارس واستيعاب الطلبة الذي قام به القطاع الخاص، عملت عدة مؤسسات خاصة على النهوض بالمعلم والتعليم. ورغم ذلك لم يكن في وسع القطاع الخاص حل المشكلات التربوية الناتجة عن الإفرازات الاجتماعية والسلوكية الناتجة عن تدهور الوضع السياسي.

وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، قامت مبادرات أهلية عدة لإدارة الأزمة التي ترتبت على إغلاق المدارس، وملاحقة المعلمين والطلبة، وتردي الوضع الأمني. ولتجاوز إغلاق المدارس، استحدث الفلسطينيون نظاماً للتعليم خارج الأطر المدرسية، وبدرجة نجاح متواضعة.

إلى اللقاء في الحلقة السادسة

غنام غنام

2020

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق