قصة قصيرة

الشهيد الحي

في توقيت ما، بين السماء والأرض ، يتصارع الجسد يتمسك بالتراب الذي مزجت به الرّوح العَليّة ترنو لمكانها الأسمى .

في ثلاجة حفظ الموتى بين جثث كثيرة اختلفت أقدارها، وفيما أفنت شبابها، واهتماماتها، ونظرتها للحياة وما بعدها ..

هناك بين السماء والأرض على بوابة إغفاءة تأخذني للجنان أو شهقة تعيدني للحياة لا مكان للتردد أريد الرفيق الأعلى ولا يكون إلا ما يريد من له المثل الأعلى.

هادئا كابتسامة شهيد، يتخافت نبضي ثانية بعد الأخرى، تتلقى الجماهير اسمي بالفرح، ويتلقاه الرفاق غصة. نتفق جميعا في حبنا للطريقة التي يذهب بها الشهيد أو الأسير للوطن، لكننا نختلف في حتمية المسير على نفس الطريق إليه.

فتجد أبناء الشعب المكلوم تُسعدهم حجارة صغيرة يلقيها طفل في حلحول شمال الخليل أما العمليات الأكثر تنظيما وصواريخ المقاومة فذاك بالنسبة لهم نصر يُحتفى به.

كشاب نشأ تحت أعقاب البنادق، فإن مسيرات العودة بالنسبة لي كانت وفاء لدربي، وشعبي وقضيتي .. أجتمع والرفاق نمضي لمخيم العودة ناحية خزاعة في خان يونس بغزة نمارس حقنا في المقاومة والحياة وحب الوطن ..

ونستمتع حتى باستنشاق الغاز وضيق الأنفاس وسواد الأوجه والأيدي بفعل دخان الكوشوك الذي كنا نراه رمزا لغضب اللاجئ وتمسكه بخق عودته إلى عسقلان والمجدل ..

في يوم من الأيام التي بلغت فيها مسيرات العودة أوجها كانت آليات العدو تنتشر بشكل مُريب على طول السلك الفاصل بين أراضي غزة المحررة وبين غلافها حيث مستوطنات اليهود مجهولي النسب القادمين من بلغاريا والنمسا، كنتُ في دوام عملي خلف شارع جكر بمنطقة بين القرارة والفراحين تحركت نحو تجمعات الشباب الثائر في منطقة الفراحين شرق عبسان، التي تبعد عن مكان العمل بنحو كيلومتر واحد ..

وما إن وصلت شارع جكر بنحو خمسين مترا حتى هطل علينا وابل من الرصاص الكثيف لا ندري نتلقاه من أين .. في محاولة لحماية أنفسنا وقد كنا عُزّلا انبطحنا أرضا ..

إذ بصوت يقول: قف على رجليك حتى لا تصاب في رأسك، بمجرد اعتدالي راكعا أحسست بطلق اخترق صدري .. هويت على ظهري أنظر لا أكاد أبين لوجه من غدر بي .. كان رجلا أربعينيا أصلعا .. كالغريق تتلقفه الأمواج وقد خارت قواه .. استسلمت لأنفاسي المنهكة ودقات قلبي المتباعدة، أصوات كثيرة لا أفهمها .. سيارة الإسعاف .. الصراخ ..يحملني الرفاق تتعالى أصواتهم المبحوحة لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله .. شهيدا شهيدا ..بصوت خافت أردد الشهادتين ..

لم تغادرني صورة امي وأنا ابنها الوحيد .. أصبت بطلق متفجر فتت جزءا من كبدي تسبب بنزيف حاد، كانت حالتي مستعصية شبه ميؤوس منها، حيث تم وضعي في ثلاجة حفظ الموتى مما أدى إلى انتشار اسمي مع شهداء ذاك اليوم.. كان يوما مظلما لكثرة الجرحى والشهداء ..

تجتمع النسوة في بيت والدتي ، يعلو وجوههن الوجوم، النسوة في غزة يحزَن على كل شهيد وتزداد ذات السبق بالفقد على حزنهن حزنا واسى وكمدا… يستسلم الجميع للفراق ويقاومه أحدهم، رفاق الجهاد همُ القوم..

لا يقوون على الفقد لشدة ما ألمَّ بهم .. ينتشلني صراخ صديقي عند النبضة الأخيرة إكسيرا للحياة يتفقدني بين الجثث بغصة يداريها: هذا أخي لساته حي لازم يعيش.. وانطلق بي لغرفة العمليات…مكث الأهل ينتظرون ساعات مرت كالدهر خارج الغرفة …لا شيء يدعو للتفاؤل ..يخرج الطاقم الطبي رجلا تلو الآخر مرهقين .. يتدفق الدم من باب الغرفة إلى آخر الممر : وضعه صعب ادعوله ..

مكثت تحت العناية المكثفة مدة لا أعلمها أتنفس بالأنابيب وقد تهتكت معظم أعضائي وفقدت الرئة اليمنى واستقرت بعض شظايا الطلق في ظهري .. هدوء .. صوت جهاز قياس نبضات القلب، شعاع أبيض مؤلم لا تقاومه عيناي التي اعتادت على الظلام .. انين بكاء بجانبي .. حاولت الالتفات شاهدت خيال والدتي تذرف دموع الحسرة بصمت ..

هنا انسلت أدمعي دون اي مقاومة تبلل وجهي ..

“القعيد هو من قعد عن نصرة دينه وأرضه وهو بكامل قواه، لا من جلس على كرسي متحرك”.

الإصابة تبين فيما بعد أنها تسببت في شللي .. ومن هنا بدأت رحلة جهاد اخرى تماما..

غزة – خان يونس 2018 .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق