تربوية

نشأة المدارس الخاصة في محافظة رام الله والبيرة

سلسلة أبحاث تربوية: الحلقة الرابعة

نشأة المدارس الخاصة في محافظة رام الله والبيرة

رام الله والبيرة عبر التاريخ

تقع مدينة رام الله والبيرة وسط السلسلة الجبلية الوسطى في فلسطين، وبالتحديد على خط تقسيم المياه الفاصل بين غور الأردن والسهل الساحلي الفلسطيني، وجاء موقع هذه المدينة متوسطاً بين منطقة الغور شرقي فلسطين، ومناطق السهل الساحلي، ويظهر هذا الموقع من خلال الأبعاد التي تحكم مدينة رام الله، فهي تبعد 164 كم عن أقصى نقطة في شمال فلسطين و16 كلم عن القدس، كما تبعد بحوالي 67 كم عن شواطئ البحر المتوسط و52 كم من البحر الميت.

سبب التسمية:

محافظة رام الله والبيرة تقسيم إداري بني على أساس أن المدينتين الشقيقتين متلاصقتين لدرجة أنهما تبدوان كمدينة واحدة، والتقارب بين رام الله والبيرة له قصة دارت أحداثها في القرن السادس عشر، حيث جلت عشيرة الحدادين المسيحية عام 1550 من الشوبك في منطقة الكرك غربا إلى خربة تدعى رام الله في أراضي البيرة، وحسب العادات البدوية دخلوا في حماية عشائر البيرة المسلمين في ذلك الوقت، ومع الزمن تطورت رام الله إلى ما هي عليه الآن، وهناك تفسيرات أقرب إلى الصحة حيث تعني كلمة رام المنطقة المرتفعة، وهي كلمة كنعانية منتشرة في أماكن مختلفة في فلسطين، وأضافت إليها العرب كلمة الله فأصبحت رام الله بمعنى (قضى الله، أو أراد الله، أو جبل الله)، وتأسست مدينة رام الله على يد شيخ إحدى عشائر الكرك المسيحية يدعى الشيخ راشد الحدادين، وقد عرفها الصليبيون بهذا الاسم، ولكنّ الثابت تاريخياً أن قبيلة عربية جاءت في أواخر القرن السادس عشر وسكنت في قرية أو غابه حرجية اسمها رام الله.

 أما عن تسمية البيرة، فقد كانت تدعى قديمًا بتيروت، وأغلب الظن أن الذين بنوها هم الحيثيون قبل الميلاد في الفترة التي بنيت فيها أختها يبوس أي القدس القديمة، وكلمة بيئروت اسم البيرة القديم، ويعتقد أن الاسم “البيرة” مشتق من الأصل الكنعاني (بيئرون) ويعني (الآبار) نسبة إلى العيون الكثيرة المنتشرة في المدينة وأهمها عين البيرة، والعيون الأخرى الكثيرة مثل: عين القصعة، وعين أم الشرايط، وعين جنان، وعين الملك، وغيرها وربما كان الاسم من الأصل الآرامي (بيرتا) ويعني القلعة، أو الحصن نسبة إلى تل النصبة الأثري.

إن مجتمع رام الله كان محروماً من التعليم في بادئ أمره؛ لأنه لم يكن مشغولاً بالكماليات وليس لديه وقت الفراغ لينفقه عليه، حيث كان همهم الأول أن يضمنوا لأنفسهم لقمة عيش وسقيفة يسكنوا فيها، وبعد مدة من الزمن استقرت أحوالهم وتحسنت معيشتهم وزاد عددهم فكانت لهم أول مدرسة خاصة ملحقة بالكنيسة الخاصة لدير الروم الأرثوذكس سنة 1706م وقد كان عدد طلابها لا يتجاوز الستة طلاب، وعام 1846 م جاء إلى رام الله مبشر ألماني اسمه (صموئيل غويت) وقد أسس المدرسة الثانية فيها وقد انتقلت المدرسة من مبنى لآخر واستقرت أخيراً في “دار حبش” وسنة 1857 م افتتح اللاتين مدرسة للأولاد، وعام 1895 م جاء الروم الكاثوليك وافتتحوا مدرسة أخرى ولكنها لم تعمر طويلاً. وقد كان معلمو المدارس الخاصة يتقاضون راتبهم من الطلاب مباشرة كل يوم سبت ما يقارب خمسين قرشاً.

إن التعليم في المحافظة موجود لما قبل سنة 1700م على أقل تقدير حيث كان فيها لعدة قرون حسب نظام الكتاتيب في المضافات الخاصة بالحمايل أو المضافات العامة والكنائس خاصة الأرثوذوكسية، ودخلت المدارس بمفهومها الحالي إلى مدينة رام الله منذ القرن التاسع عشر، وتعتبر المدارس الأولى التي أنشئت في قضاء رام الله منذ ذلك الحين بمثابة مدارس كنسية تتبع الكنيسة بمختلف طوائفها والجمعيات الإرسالية والإرساليات التبشيرية ومن أوائل المدارس في قضاء رام الله (المحافظة حالياً) مدرسة اللاتين في رام الله وأخرى في عين عريك وجفنا والطيبة وعابود وذلك ما بين سنة 1812-1897 م أما باقي المناطق فقد استمر نظام الكتاتيب في التعليم سواء داخل المساجد أو غيرها.

وفيما يلي نبذة مختصرة عن تاريخ المؤسسات التعليمية الخاصة في المحافظة:

  1. الكتّاب:

 تختص الكتّاب بتعليم الأولاد الصغار الذين تراوحت أعمارهم بين سن السادسة والثالثة عشرة، وفي الغالب الأعم كان الكتّاب يتكون من غرفة واحدة يعلم فيها معلم واحد فقط، وقد كانت إما ملحقة بالمدارس أو المساجد أو بيوت خاصة وقد كانت منتشرة في كل مدن وقرى فلسطين ومن ضمنها محافظة رام الله والبيرة.

  • المسجد:

 يعد المسجد المعهد الأول الذي أنشأه المسلمون لتعليم الطلاب، وقد استخدمت المساجد الفلسطينية كمعاهد للتدريس وقد لعبت دوراً عظيماً في المجال التعليمي ربما يفوق الدور الذي لعبته دور العلم والمدارس، فدرس فيها الطلاب القرآن الكريم والتفسير والحديث والفقه وعلم الكلام والحساب واللغة وغيرها. ولا توجد إشارات تاريخية موثقة عن دور المساجد في رام الله والبيرة لتعليم الطلاب ولكنّ هذا النوع من التعليم كان منتشراً في كل مساجد فلسطين وخاصة القدس القريبة من المدينتين ولا شك بوجود بعض حلقات التدريس في مساجدهما خاصة مساجد مدينة البيرة وذلك لأنها كانت قرية إسلامية بالأصل وقد ثبت تاريخياً أن سيدنا عمر بن الخطاب قد مر منها في رحلته إلى القدس لتسلم مفاتيحها وقد صلى فيها وبني مكان مصلاه مسجداً يدعى المسجد العمري.

  • المدارس الخاصة:

تطلق كلمة مدرسة في وقتنا الحاضر على جميع المؤسسات التعليمية المخصصة لتعليم الأطفال والطلاب، أما سابقاً فقد كانت مخصصة للذين أنهوا دراستهم في مراحل الكتّاب، وأول من أسس المدارس في التاريخ الإسلامي كان الحكام السلاجقة في القرن 5هـ/11م وقد كان في القدس وحدها أكثر من 56 مدرسة.

وأولى المدارس الخاصة في محافظة رام الله والبيرة كانت كالتالي:

  1. مدرسة الروم الأرثوذكس (سانت جورج حالياً):

وتعتبر المدرسة الأولى في رام الله حيث تعود إلى ما قبل سنة (1700م) عندما كانت على شكل الكتاتيب لكنها بدأت كمدرسة سنة 1890م وعام 1706 م كان الكاهن في رام الله يتقاضى راتباً شهرياً مقداره عشرون قرشاً ومن جملة وظائفه تعليم الأولاد، وأنه في العام 1838 م كانت عبارة عن مدرسة وفيها خمسة أو ستة طلاب. أما حالياً فيقع مقر المدرسة الجديد في حي الطيرة.

  • 2.     المدرسة الإنجيلية الأسقفية العربية:

 تأسست عام 1846 م من قبل المبشر الألماني “صموئيل جوبات” أو “صمويل غويت” وقد كان في صفوفها ثلاثون طالباً عند التأسيس وقد تنقل مقر المدرسة إلى أكثر من موقع في بيوت أهل المدينة. وفي العام 1957 تم نقل المدرسة إلى البناء الجديد في شارع الطيرة وهي الآن مدرسة ثانوية.

  • 3.     مدرسة اللاتين (الكلية الأهلية):

 أسست عام (1857م) حين قدم اللاتين إلى رام الله وافتتحوا لهم مدرسة للأولاد ضمت عند تأسيسها (18) طالباً، وقد قاموا كذلك بتأسيس عدة مدارس في القرى والمدن الفلسطينية.

  • 4.     مدرسة سيدة البشارة للروم الكاثوليك:

 تأسست عام 1895م حينما جاء الروم الكاثوليك إلى مدينة رام الله وافتتحوا مدرسة للصبيان في “دار نزال” ولكنّ هذه المدرسة لم تعمر طويلاً، والدار التي كانت فيها هدمت. واستمر هذا الوضع حتى عام 1953 م عندما قامت الكنيسة بإعادة افتتاح المدرسة من جديد باسم سيدة البشارة وهي مدرسة مختلطة.

  • مدرسة الفرندز للبنات:

 أسستها جماعة الفرندز سنة 1869 م عندما وصل مبشران أمريكيان هما “عالي جونز” وزوجته “سبل” وقد كان لتأسيسها قصة طريفة حيث تورد المصادر أن عالي جونز كان سائراً في أحد أزقة رام الله إذ لقيته فتاة تقارب الخامسة عشرة وسألته إن كان في نيته فتح مدرسة للبنات وتعهدت بأن تكون معلمة المدرسة الجديدة إذا تم ذلك وتذكر المصادر أن اسم الفتاة كان مريم كرم أو مريم بيوك وقد زار المدرسة الشاعر معروف الرصافي وقال فيها شعراً جميلاً يصف المدرسة.

ويلاحظ أنه حتى القرن التاسع عشر كان في رام الله أربع مدارس للذكور فقط وكانت جميعها خاصة بطوائف معينة، لذلك من الطبيعي أن يكون التعليم فيها دينياً محضاً بالإضافة إلى بعض المواد التدريسية مثل القراءة والحساب.

  • 6.     مدرسة راهبات مار يوسف:

تأسست سنة 1873 م بناء على طلب البطريرك اللاتيني الأوروشليمي من أخوات رهبنة القديس يوسف أن يفتتحن فرعاً في رام الله، وكانت المدرسة تعلم اللغة العربية واللغة الفرنسية، وبعد دخول الإنجليز إلى البلاد سنة 1918 م أصبحت تعلم اللغة الإنجليزية والخياطة والتطريز والفنون والموسيقى، وكل ما يؤهل الفتاة لأن تصبح ربة بيت صالحة ومثقفة. وقد قامت الراهبات بافتتاح عيادة للإسعاف الأولي فيها والتركيز على إسعاف وعلاج العيون وشكلن فرقة للكشافة للمشاركة في المناسبات الوطنية والدينية.

  • مدرسة الفرندز للبنين:

 تأسست سنة 1901م من قبل الفرندز في دار “حرب” وقد انتقلت المدرسة إلى عدة مبانٍ نتيجة ظروف مختلفة، وقد أسسها المؤرخ الأمريكي إلياهو جرانت تحت رعاية إرسالية الكويكرز، وكان يأتيها الطلاب من مختلف مناطق فلسطين وقد قدمت ولفترة من الزمن خدمة التعليم الصناعي والمهني.

  • مدارس خاصة أخرى:

وهناك مدارس خاصة لم تعمر طويلاً وقد أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى مثل المدرسة التي افتتحتها “نعمة شهلا” ومريم صرصور “الجاجة” سنة 1918 م في بيوتهن.

  • المدرسة الوطنية:

تأسست سنة 1919 م من قبل جمعية أبناء رام الله في نيويورك، ولكنها ألحقت بوزارة المعارف سنة 1927 م، وتعتبر مدرسة رام الله الثانوية للبنين امتداداً لهذه المدرسة. وأن المدرسة كانت بفرعين للبنين والبنات وقد تنقل مبنى المدرسة كثيراً بسبب ظروف مختلفة. وتعتبر المدرسة الوطنية بفرعيها نواة المدارس الحكومية الحالية فمن هذه المدرسة نبتت خمس مدارس حكومية كبرى وهي: (مدرسة رام الله الثانوية للبنين، مدرسة رام الله الإعدادية للبنين، مدرسة رام الله الابتدائية للذكور، مدرسة رام الله الثانوية للبنات، مدرسة عزيز شاهين وهي إعدادية وثانوية)

  1. مدرسة الشاب الإيراني:

 جاء إلى رام الله سنة 1940 م شاب إيراني من أجل تأسيس مدرسة استثمارية بها، ولكن المشروع فشل، وأقفلت المدرسة بعد أقل من ستة شهور من افتتاحها.

  1. الكلية الوطنية:

 أسسها الأستاذ خليل أبو ريا سنة 1947 م لأنه لاحظ أن كل مدارس رام الله والبيرة تصل بالطالب إلى الصف السابع ثم تتركه ليجد مدرسة أخرى خارج المدينتين، ونظراً لصعوبة التنقل والمواصلات قام بتأسيسها ليوفر عليهم عناء التنقل والتكلفة، وقد كانت تدرّس المنهاجين المصري والأردني. وقد أغلقها الاحتلال الإسرائيلي وحولها لتكون دائرة للسير.

 وفي سنة 1971 م ولظروف قاهرة اضطر إلى إغلاق مدرسته وسلم بنايتها الجديدة إلى بلدية رام الله لتستعملها كمدرسة، ونظراً لرفض الاحتلال افتتاحها كمدرسة لوجودها على الشارع الرئيسي تم تحويلها إلى مركز لتأهيل المعاقين عرف باسم “مركز أبو ريا لتأهيل المعاقين حركياً”.

  1. البيت الإنجيلي للبنات:

تأسست سنة 1954 م في شارع الإرسال برام الله ومعظم طالباتها من الشريحة المعوزة من المجتمع الفلسطيني.

  1. البيت الإنجيلي للصبيان:

 تأسس سنة 1965 م ويقدم الخدمة للأطفال والأيتام والفقراء والمعوزين تعليمياً ومعيشياً.

  1. مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية في البيرة:

تأسست الجمعية الخيرية الإسلامية مطلع العام 1978 م وتعنى بشؤون التربية والتعليم من منطلق تربوي إسلامي ويتبع الجمعية حالياً مدرسة الصم الأساسية وهي باكورة مؤسساتها وتقع في رام الله، ومدرستين ثانويتين إحداها للذكور والثانية للإناث، وروضة تقع في مدينة البيرة.

  1. المدارس الجديدة:

وهناك العديد من المدارس الخاصة التي أنشئت حديثا في المحافظة لتقديم خدمة التعليم الخاص لا مجال لتعدادها هنا لكثرتها وقد أشرنا لعددها في الحلقة السابقة.

 علاقة المدارس الخاصة بوزارة التربية والتعليم:

ومن خلال عملي في المدارس الخاصة لاحظت قيام وزارة التربية والتعليم وبحكم اختصاصها بمراقبة التعليم في المدارس الخاصة بشكل مباشر، ومن خلال التنسيق المستمر معها، حيث تقوم الوزارة بإرسال مشرفين تربويين لها بصورة دائمة للاطلاع على أوضاع العملية التعليمية، وإعداد التقارير عن كل مدرسة بهدف متابعتها، كما تقوم بالاطلاع على مؤهلات المدرسين وخبراتهم في هذا المجال، ومدى ملاءمتهم لذلك، كما تقوم بإبداء ملاحظاتها على النشاطات اللاصفية من خلال ملاحظات تقدمها المدارس حول هذه الأنشطة.

ومن جهة أخرى قامت وزارة التربية والتعليم بوضع قوانين خاصة بالمؤسسات التعليمية تحدد فيها الشروط الخاصة بالمنشآت والمباني، وكافة الأمور الفنية والهندسية المثلى، والتي يراعى من خلالها المعايير التربوية والبيئية، وكذلك كفاءات المدرسين، وشروط الالتحاق، والرسوب والنجاح والعطل، كما حددت الشروط القانونية المتعلقة بالتراخيص واستيفاءها قانونياً

إلى اللقاء في الحلقة الخامسة

غنام غنام

2020

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق