تربوية

لمحة تاريخية على التعليم في فلسطين من بداية القرن العشرين- سلسلة ابحاث تربوية 2

الحلقة الثانية: سلسلة أبحاث تربوية

لمحة تاريخية على التعليم في فلسطين من بداية القرن العشرين:

أولاً: التعليم في العهد العثماني:

في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، كان هناك نوعان من المدارس: الحكومية، والقطاع الخاص، وكانت المدارس الخاصة بالمسيحيين والتي أنشئت من قبل المبشرين، أو ملاك الأراضي، وكان هناك بعض المدارس الخاصة بالمسلمين، وبحلول عام (1917) وفي نهاية العهد العثماني، كان هناك (379) مدرسة خاصة، و(95) مدرسة حكومية، وكانت فلسطين كمعظم الأقطار العربية، حيث كان التعليم محدوداً وقاصراً على فئةٍ معينةٍ من شرائح المجتمع.

وكانت الكتاتيب -في تلك الفترة وما قبلها- نوعاً من المدارس الخاصة نشأت، منذ قرون عديدة، وانتشرت بشكل واسع في عهد الدولة العثمانية، وبالأخص المتأخرة منها، حتى أصبحت المعاهد التعليمية الوحيدة للأغلبية من أبناء الشعب، ولاسيما بعد أن غابت المدارس الكبيرة، التي أسست في عهد الدولة العباسية، وافتقد الناس أولئك المؤدبين، الذين ربو أجيالاً من الأدباء، والشعراء، والفقهاء، وغيرهم، ولهذا انتشرت في أحياء المدن- بالأخص الكبيرة منها- حتى كاد أن يكون في كل حي كُتّاباً تقريباً.

 وكان الآباء حريصين على إلحاق أبنائهم في الكتاتيب لحفظ القرآن الكريم وأن يتعلموا مبادئ القراءة والكتابة، ولم يكن التعليم الكُتّابي مخصصاً لعامة الناس، فحتى الخاصة التي كانت ترسل أبناءها إلى الأستانة، أو تلحقهم بالمدارس الدينية لتعليمهم، كانت تجد في التعليم الكتابي مرحلة أولية لابد منها، فليس بغريب إذن أن نجد أغلب شعراء وأدباء ومثقفي فترة الدولة العثمانية- إن لم نقل كلهم- قد تعلموا أول ما تعلموا في الكتاتيب، إذ كان لها منزلة كمنزلة المدارس الابتدائية، وكانت الثقافة العامة ثقافة كُتابية محضة.

إن التعليم في العهد العثماني قد تطور بشكل واضح في فلسطين مع بروز حركة الإصلاحات ونظام المعارف في فترة متأخرة من حيث انفتاحها على التعليم الأوروبي والمنافسة لإثبات الهوية التعليمية للدولة الإسلامية العثمانية، وكانت أعداد المدارس الحكومية ذات الصبغة الإسلامية العربية في كل فلسطين بلغت (130 ) مدرسة عام (1871 م)، بينما بلغ عدد المدارس الخاصة (التبشيرية واليهودية) ما يقارب ( 119 ) مدرسة في نهاية القرن التاسع عشر، أما عام (1914 م)  فقد تناقص عدد المدارس الحكومية حيث بلغ ( 98 ) مدرسة، أما المدارس الإسلامية الخاصة فقد بلغ تعدادها( 209 ) مدرسة.

أما بالنسبة لتنظيم التعليم في فلسطين، فيرجع إلى قانون التعليم العثماني، وقد ترسخ نظام التعليم في القانون سنة (1913 م) الذي وضع لتقوية إشراف الدولة على المدارس، وقد قسم قانون التعليم العثماني المدارس إلى قسمين: مدارس (عمومية (حكومية و) مدارس خصوصية ( خاصة.

 وقد وجدت المدارس الخاصة التي تطرق إليها القانون العثماني، فقد ألزمها التقيد ببرامج التعليم المتبعة في المدارس الحكومية فيما يتعلق بالمناهج التربوية، وتأهيل المعلمين، وعهد القانون إلى مجلس عال مسؤولية مراقبة التعليم الخاص في أنحاء الدولة بشكل عام كما تم خلال الحرب العالمية الأولى إنشاء الكلية الصلاحية في القدس، التي كان لها الفضل في تخريج عدد من المعلمين الأكفاء، الذين كان لهم الفضل في تعريب التعليم.

التعليم زمن الانتداب البريطاني:

أما نظام التعليم أيام الاحتلال البريطاني، فقد أهمل وضع المدارس الحكومية، نتيجة هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وأغلق معظم المدارس الخاصة المحلية والأجنبية، لاسيما المدارس التي يملكها رعايا دول معادية لبريطانيا، كألمانيا، والنمسا، وقد أعيد فتح هذه المدارس الخاصة المحلية والأجنبية في نهاية عام (.(1921

وقد قسمت حكومة الانتداب البريطاني نظام التعليم في فلسطين إلى ثلاثة أقسام هي:

  • نظام تعليمي خاص بالفلسطينيين، وقد صمم هذا النظام وفق سياسة وفلسفة الانتداب.
  • ب‌-  نظام تعليمي خاص باليهود، وقد تركت بريطانيا لليهود حرية كاملة في توجيه المناهج وفق تحقيق مخططاتهم السياسية.
  •  نظام تعليمي خاص بالمدارس المختلطة والخاصة.

وتحملت المدارس الخاصة الوطنية في عهد الانتداب البريطاني عبئًا في سد احتياجات المواطنين إلى التعليم، ووصل عدد المدارس الخاصة إلى (315) مدرسة إلا أن أغلبها كانت مدارس مسيحية تبشيرية.

ويلاحظ أن الانتداب البريطاني كان يحارب التعليم، ولا يعمل على إنشاء المدارس، وكان التعليم قاصراً على الأغنياء القادرين على دفع نفقاته، ولهذا كثر الجهل وتعمقت الأمية، والقلة هم الذين فقط يعرفون القراءة والكتابة، وظهر ذلك جليا عندما لا يجدوا معلمين يقومون بمهمة التعليم، إلا من حملة الابتدائية، وتلك نتيجة طبيعية لممارسات المستعمر.

وقد بسطت بريطانيا سياستها التربوية من أجل تحقيق أهدافها السياسية الاحتلالية في فلسطين حيث ركزوا على اللغة الإنجليزية دون العربية أو العلوم الحديثة، وعمدوا على إفقار المؤسسات التربوية العربية وشل حركتها المادية عن طريق حرمانها من الدعم وإلغاء مجانية التعليم، وتحديد عدد الطلبة المقبولين في المدارس، وفرض امتحانات قبول الطلبة، وإقحام اللغة العبرية في الدراسة، واستخدام نظام التفتيش بطريقة الاستبداد العنيف في العملية التربوية حيث استبدل المفتشون العرب بآخرين من الإنجليز، والتضييق في الحصول على الكتب العربية، وشح الوظائف التعليمية.

وقد لعبت المدارس الخاصة دوراً هاماً في وقت كان فيه التعليم شحيحاً، فقد ظهر دورها جلياً نظراً لغياب اهتمام الانتداب البريطاني بالتعليم، فقد نشطت حركات غير حكومية وأنشأت مدارس مختلفة خاصة، لكنها توفر التعليم وفق قدراتها للجميع، ودون اعتبارات طائفية أو دينية ومنها المدارس المسيحية مثل مدرسة بيرزيت والتي أصبحت جامعة الآن، ومدرسة النهضة في القدس ومدرسة غزة وغيرها الكثير.

لقد أنشئت المدارس الخاصة في العالم العربي ومنها ما أنشئ في فلسطين منذ بدايات القرن العشرين، حيث ارتبطت هذه المدارس واقعيا بنظام الامتيازات المقدمة للدول الغربية في أواخر عهد الدولة العثمانية، حيث تنافست هذه الدول في مجال إنشاء المدارس الخاصة، ووظفتها في خدمة النزعة التبشيرية الدينية ذات الطابع الثقافي

لذلك كان لا بد من بديل علمي وموضوعي لحالة السبات العميق التي غزت التعليم الإسلامي بعد سقوط الدولة العثمانية، فقد نشطت عدة جهات مثل المجلس الإسلامي الأعلى وجمعية حيفا الإسلامية والبلديات وجمعية الشبان المسلمين وغيرها، حيث تأسست العديد من المدارس الإسلامية والوطنية في فلسطين لتجاوز العقبات التي وضعتها حكومة الانتداب البريطاني أما الالتحاق بالتعليم الحكومي.

مما سبق أرى أنه في العهد البريطاني زادت الأمور سوءاً بسبب الظلم البريطاني على الشعب الفلسطيني ومساعدة اليهود ماديا ومعنويا في طرد الفلسطينيين من أرضهم واستيطان اليهود بإقامة وطن لليهود في فلسطين, وقامت حكومة الانتداب بوضع العراقيل حول تطور التعليم ونموه حتى يبقى الشعب الفلسطيني جاهلا وتستطيع بريطانيا تمرير مخططاتها لصالح اليهود, فلم يحدث تطور يذكر في مجال التعليم حيث تحكم الانجليز في كافة أمور التعليم ولكنها تركت الحرية لليهود في إدارة شؤونهم التعليمة بأنفسهم كما قدمت لهم المساعدة المالية والمعنوية بالإضافة للتبرعات التي حصلوا عليها من الحركات الصهيونية, ولقد اتسمت هذه المرحلة بالفقر وسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية بسبب زيادة الضرائب وقلة العمل والحرمان من التعليم.

التعليم زمن الاحتلال الإسرائيلي:

إن التعليم الفلسطيني لا يمكن فصله عن مجمل الأوضاع التي مر بها، منذ مرحلة الحكم العثماني مروراً بفترة الانتداب البريطاني، وبما أحدثه الاحتلال الصهيوني، وما نجم عنه من تشرد وضياع، كما أن الحرب الثقافية التي شنها الاحتلال الصهيوني كانت جزءا من المخطط الصهيوني ومبرمجة من أجل خدمة التصور الصهيوني في تنفيذ حل القضية الفلسطينية

إن مصادر التربية الصهيونية ترتكز أساساً على معتقدات دينية عنصرية محضة ضد الفلسطينيين ومن هذا الكم الهائل والمتراكم من المفاهيم والمصطلحات، والمخططات الصهيونية، بنى الكيان الإسرائيلي سياسته التربوية ضد السياسة التربوية الفلسطينية منذ نشأة الكيان المحتل.

 ورغم كل المواثيق والمعاهدات الدولية، فقد شكل نظام التعليم في فلسطين المحتلة أحد أهم أهداف حكومة الاحتلال الإسرائيلي، من حيث هيكلتها الإدارية والتنظيمية، والمحتوى الأيديولوجي، وكان العرب الفلسطينيون –منذ البداية- الغائبين الحاضرين في النظام التعليمي الذي تم تصميمه لأشخاص هم في نظرهم ليس لهم مكان، أو بالأحرى “عدو”

أما بالنسبة للمعلمين، فقد هجّرت أحداث الحروب الإسرائيلية عدداً كبيراً من الإداريين، والمعلمين الفلسطينيين جنباً إلى جنبٍ مع النقص العام الموجود أصلاً، وعلى إثرها أصيب نظام التعليم بالشلل، وقد أخذت حكومة الاحتلال العسكرية تشدد من قبضتها على المثقفين الفلسطينيين؛ من خلال قبول المرشحين للتدريس بطريقة انتقائية، واستناداً إلى توصيات وقرارات الأمن الإسرائيلي، وأصبحت هذه العوامل سبباً في تحويل قسم كبير من الطلاب إلى معلمين دون تدريب أو تأهيل.

وعندها تولت الحكومة المصرية حكم قطاع غزة، والحكومة الأردنية الضفة الغربية، وشاركها في الإشراف على التعليم وكالة الغوث الدولية (UNRWA). وهذان النظامان يختلفان في المناهج والسلم التعليمي والأنظمة واللوائح والقوانين

وفي هذه المرحلة، أصبح هناك اختلاف كامل فيما يتعلق بالتعليم الفلسطيني العام، ما بين هذه المرحلة والمرحلة التي سبقتها، ألا وهي مرحلة التعليم الفلسطيني تحت إشراف وكالة الغوث الدولية

وفي عام 1967م، وقعت الضفة الغربية تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني، حيث أصبحت فلسطين بأكملها تحت سيطرته، وبالتالي السيطرة على كل شيء، بما في ذلك جهاز التعليم

هذا وقد ظلت أساسيات المناهج الأردنية والمصرية تدرّس في المدارس الحكومية، والخاصة، ومدارس وكالة الغوث في الضفة والقطاع، وظل الوضع التعليمي على حاله بعد احتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية عام 1967، واتخذت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمسمياتها، العسكرية، أو الإدارة المدنية، أو وزارة الدفاع، تمارس وظائف وزارة التربية والتعليم في الأراضي المحتلة، وتمارس السيطرة على المناهج الدراسية في جميع مدارس فلسطين، وكانت سلطات الاحتلال تسعى جاهدة لقمع وتغييب تدريس الثقافة والتاريخ الفلسطينيين.

ويعتبر قطاع التربية والتعليم في ظل الاحتلال الصهيوني من أبرز وأوسع وأهم القطاعات التي شملتها الممارسات الصهيونية لما له من تأثير في مستقبل الشعب الفلسطيني، وطموحاته الوطنية في الاستقلال وإقامة دولته على أرضه.

إنّ الاحتلال الإسرائيلي قام بمنع 132 كتاباً مدرسياً من أصل 150 كتاباً أن تدرس في المدارس الفلسطينية عقب حرب عام 1967م بحجة أنها مشبعة بالكراهية لإسرائيل، هذا بالإضافة إلى توقيف عدد من الطلبة والمعلمين، وإغلاق المدارس، وحرمان الطلاب من إكمال دراستهم الجامعية في الجامعات العربية والأجنبية، خصوصاً انه لم يكن هناك جامعات فلسطينية تقدم الدرجة الأولى للطلبة الحاصلين على الثانوية العامة.

ويشير تقرير لليونسكو (UNESCO.org, 2011) أنه وخلال الانتفاضة الأولى، وتحديداً في العامين (1988-1989م) حيث كان عدد أيام الدراسة الرسمي بالتوالي لكل عام (205-210) يوماً دراسياً، لم تصل نسبة دوام الطلبة الكلية في العامين المذكورين إلى حد يحقق الأهداف التعليمية، أو حتى يمكن المعلمين من إنهاء المناهج الدراسية، حيث بلغت نسبة الدوام من 40% إلى 60% فقط لمعظم الصفوف.

وفي جانب آخر كانت المدارس الخاصة أقل اعتماداً على الحكم العسكري الإسرائيلي، وكان ذلك يعطيها قدراً من المرونة، وبالإضافة إلى التاريخ الطويل للكثير من المدارس الخاصة جعلها تلعب دوراً رئيسياً في الحفاظ على نظام التعليم، وتطويره جنباً إلى جنبٍ مع بعض المنظمات التعليمية غير الحكومية، حيث سعت بعض هذه المدارس لعقد برامج لتدريب المدرسين ودعم المناهج التعليمية، وشارك بعضها في حملات دولية لدعم التعليم في فلسطين، وهذا الدور الريادي للمدارس الخاصة الفلسطينية في خدمة التعليم أكسبها الاحترام والمصداقية داخل المجتمع الفلسطيني.

إلى اللقاء في الحلقة الثالثة

غنام غنام

2020

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق