إشراقات سياسية

الاحتلال ليس حرباً.. بل إعادة صهر للوعي

“َإنَّ أعمال القمع الّتي تقوم بها السلطات الاستعماريّة لا تحطّم انتفاضة الشّعب، فتعجل إلى الوعي القومي” -فرانز فانون

أن تنسى الماضي والسياق التاريخي للحدث، وتتعامل معه كأنه وليد اللحظة. وكذا هو الحاصل مع القضية الفلسطينية والاحتلال، بأن يُنظر إليها كشجار بين طرفين يجب أن ينتهي وأن يعتذر الطرفين من بعضهما ويعترف الطرفين بخطئهما ويعم السلام وكأن شيئاً لم يكن.. غاضّين الطرف عن الصراع التّاريخي وأنه صراعٌ وجوديّ ثقافيّ إحلاليّ..

قامت إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني الذي شُتِّتَ وهجِّر وقُتِل واُسِر، هذه الحقيقة التاريخية في أبسط صورها التي يسعى العالم الأول لمحوها وتغييبها من أذهان الناس، وهذه المساعي الحثيثة بدأت تؤتي أكلها مؤخراً، فقد باتت القضية الفلسطينية تأخذ منحىً مختلفاً عن جوهرها وأصلها، وبدأت تطفو على سطح الوعي العام أفكار شاذة عن واقعها كاحتلال، أفكار من قبيل “أنسنة إسرائيل” وأن قيامها كان نتيجة طبيعية كرد فعلٍ لما تعرض له اليهود في أوروبا من تنكيل، وفي أفضل الأحوال اعتبار الفلسطينيين مجرّد ضحايا لضحايا الهولوكوست، وفي هذا شيء من العدل الذي قد يرضي بعض الضمائر الخانعة.

هذا الخطاب الإنساني الذي هبط على هذه الشعوب المسحوقة من دول العالم الأول والتي تمثّل “الثقافة الغالبة”، بأن ينزع العالم هذا الصراع التاريخي مع إسرائيل من سياقه الأصيل ويحوله إلى “صفقة” تُحلّ بمجرد توقيع على مائدة عشاء من الأطراف المعنية! هذا التصيير الأخلاقي المجحف لأصل القضية الفلسطينية الذي حدث نتيجة “صهر الوعي العام” وتصوير احتلال إسرائيل لفلسطين كحربٍ قد طالت وآن لها أن تنتهي، ويساعد شعور الناس بالاستنزاف واللاجدوى من طول هذا الصراع على دفعهم بالقبول بفكرة وجود علاقة ناظمة لهذا الموقف أو القبول بالحل الوسط مثلاً! ففي واقع الإحتلال.. لا يوجد ما يسمّى بالتعايش السلمي بين الشعبين! فلا اعتبار لوجود شعبين أصلاً وليس هُناك منطق سَوي في هذا المقام غير منطق “إمّا نَحن وإمّا هُم”.

لا ينبغي لذاكرة الشعوب أن تكون قصيرة، وعلى الجميع أن يعي الفرق بين الاحتلال والحرب.. -وما الفرق إذن! من الطبيعي -في ظلّ أنظمة وظيفيّة وغياب الخطاب الأيديولوجي ضد إسرائيل- أن لا تفهم شعوب العالم الفرق بينهما، فالاحتلال شيء لا مثيل له في العالم الحديث، فلا وجود إلا لإسرائيل واحدة في هذا العالم وشعبٌ محتلٌّ واحد هو الشعب الفلسطيني.. ولن يعي معنى الاحتلال إلا من عاشه واكتوى بناره وذاق من مرِّ كأسه.

تكمن مصيبتنا في تهتّك الوعي الجمعي الخاص بنا وانصهاره وتشكيله بما يرضي “المُستَهدِم” وذوبان الشخصيّة الثوريّة الأصيلة في مستنقع الوحل هذا! وذوبان القيم والمُثل العليا وغياب الاعتبارات والمفاهيم الأساسية والواقعيّة عن أذهان النّاس، فما عدنا نَعي معنى أننا شَعبٌ يقع تحت احتلال وما عاد هناك رادعٌ ديني ولا حتّى أخلاقي يحكم علاقتنا كشعب مُحتلّ مع محتلّينا! -صفحة المنسّق نموذجاً- ومشكلة العقل العربي -والفلسطيني خصوصاً- السياسية في معادلة “الواجب” و “الواقع” و عدم إمكانيّة الموازنة بينهما، حيث غلب على أمرنا قبول الطغيان و شرعنة الإحتلال بدعوى اجتناب الفِتن والمشاكل وأنه -أي الإحتلال- أضحى واقعاً يُعاش، فلا ضير في أن نتأقلم معه ولو مرحلياً حتى يأتي الله بالفرج! فقد غلبت فكرة الفتنة والإفساد عقولنا حتّى أسكرتها فأصبحنا نبرر للاحتلال طغيانه وتجبّره علينا ونحسن به الظنّ بل ويقع اللوم علينا أحياناً إذا ألمّ بنا ظلمهم!!

أخيراً.. إنّ الاحتلال “استعمار إحلاليّ” يهدف إلى استئصال الآخر ونزع وجوده، استعمار يتمدّد بقواه الديموغرافية وإعادة تشكيل المكان والزمان ومسح الذاكرة ومسخ الثقافة، واستبدال شعب بشعب ومُكوِّن بمُكوِّن. ومَن لا يفهم أنّ الوجود الإسرائيليّ هو شرط موضوعيّ يُعيق النهوض في المنطقة، وامتداد لظرف تاريخيّ لا يُمكنّ حلّه ببقائها.. فهو لا يفهم المسألة الصهيونية.. وإنّ العِداء مع المُحتلّ ليسَ خَيارًا فِكريًا نستحسنه أو نستقبحه، وإنّما هو شرط وجوديّ وضرورة مَصيرية يتحدّد بها مستقبل المنطقة ومَصير أبنائها. وهذا الأمر الذي يجعل القبول بإسرائيل خيانة، هذه خيانة الفرد لذاته ووجوده قبل أي شيء..

وأنّه مهما طال الصراع مع إسرائيل لا ينبغي لشيء أن يُخرج هذا الصراع عن قاعدة “حرب ضد الإستعمار” فهي -إسرائيل- ظرفٌ طارئ خارج عن المنطق والعقل والتّاريخ. وهذا أمر يَخُصّ دُوَل المنطقة ككلّ وصورة الأُمّة ومَصير أبنائها، ناهيك إلى مجموع ما يُضاف إلى هذا كلّه من المواقف القِيَمية والأخلاقية لدماء الشهداء، وللتراب المسلوب وحقّ الأجداد والأبناء والأحفاد، هذا وطن وتاريخ وثقافة ودماء وحق مسلوب.. لذلك لو كان هذا الكيان قائماً في أدنى زاوية من الكوكب لكان لزاماً علينا رفضه ورفض إرهابه ودمويته، قولاً واحداً لا مِراء فيه، فلا مخرج لنا ولا مفرّ من هذا المستنقع إلّا بانقلاب في المفاهيم قبل انقلابنا على الاستبداد ثمَّ الاحتلال.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق