خواطر

طفلة في سن المشيب

قبلَ سبعةَ أعوامٍ عجاف، كانت الحياة غير الحياة، لربما بنظري فقط ؛ كانت تضيء لي إمتدادًا من شيبة أبي، إلى قاع قلبي..

كانت سعادتي مستمدة من تلك البسمة التي على وجنتيه، ما كنت أعي أنها سعادة مؤقتة تغيب مع غروب الشمس ؛ لكنّها الشمس تشرق كل يوم، لمَ تلك السعادة لم تعد تشرق ؟!

يا رباه! هل حقًا يأفلُ ذلك القمر الذي يضيء درب حياتي ؟!

لم تكن الدقائق الخمس كأي دقائق، كيف وقد قابلتك من بعد الغياب ؛ لكنها للأسف كانت الأخيرة بين كنفك!

كانت الخمسة كل دقيقة فيها تعادل عمر، ربما لأنني بجانبك، أو لربما لأني لامست يدك..

لو كنت أعلم أنها لحظات النهاية، لكنت شممتها بقوة أكبر حين تقبيلها ؛ أو لكنت تأملتك بشغف أكبر يا بهجة الدهر..

سأخبرك يا أبي أن من تركتها وهي بريعان الشباب، كهل قلبها وهي بعمر الياسمين؛ ربما لأن ماء حروفك قد جفّ..

يا أبتي لو كان الموت بالإختيار لمت بدلاً عنك، ألست من علمني معنى الوفاء ؟! وأنا ابنتك

نظرت من حولي وكأنني أريد من أحدهم أن يقول “مزحة” لكن الدموع كانت أسرع من الأماني، وربما أسرع من شهقته الأخيرة

فجأة وعلى عين غفلة، تغيّرت ملامح الكون واسودّت، لا أعلم مالذي حدث ؛ كل ما سمعتهُ حينها “عظم الله أجرك”

اخترقت الكلمة صدري كالرصاص لم استوعب حينها ذلك السواد الحالك الذي احاط بي ؛ بتلك اللحظة مرّت على ذاكرتي ألف صورة، ومثلها ألف موقف..

مر من الزمن الكثير الكثير، وصورتك منقوشة هناك على جدار قلبي، أما أنا فكأني خرجت من جنّتك الدنيوية إلى صحراء قاحلة وأنا فيها ضالة الطريق

أتذكر يا أبتي حين كنت تمسك بيدي وأنا طفلة خيفة السقوط ونحن نسير في ذاك المنحدر، سأخبرك أنني بعد رحيلك سقطت، ليس من المنحدر نفسه، لكنهُ الفؤاد انحدر في بئر الذكرى ولواعج الأشواق

وفي الختام يا أبتي أنت لن ترى هذه الأحرف التي اختلطت بالدموع بين الغصّة والحُرقة ؛ لكن سأهمس عند قبرك أنني أصبحت “أنا” كما كنت تريدني أن أكون ؛ وأن خط البداية الذي رسمتهُ لي، مازلت أسير عليه، وشارفت على الوصول..

وإن توسد جسدك التراب ستببقى مشكاة ظلمتي، وشمعة محرابي، وذلك الضياء الذي زُرع بين جنبات روحي..

رحمك ربي وجمعني بك في جنّته

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق