تربوية

سلسلة أبحاث تربوية-الحلقة الأولى: إطلالة تعريفية

بعيداً عن التطور التاريخي لنشأة المدارس وانتشارها، والذي سنتناوله لاحقاً فإنه يلاحظ أنّ نظرة الدولة والناس إلى المدارس العامة (الحكومية) أو الخاصة لم تستقر على حال. ففي حين سعت دول إلى الاهتمام بالمدارس العامة، وإحكام السيطرة عليها باعتبارها أداة لبسط نفوذها، ولإزالة التمايز الطبقي، ولتحقيق مبدأ ديمقراطية التعليم، نجد دولاً أخرى تتوسع في السماح لجهات ومنظمات وأفراد بافتتاح مدارس خاصة وإدارتها ضمن نوع معين من الرقابة عليها، أما الناس، فمنهم من يرى أن التوسع في التعليم، وشدّة الإقبال عليه قد أثّرا في فعالية المدارس الحكومية، خاصة وأنه تعليم مجاني، ويرى بعضهم أن فتح المجال أمام المدارس الخاصة يسهم في مواجهة المشكلة شريطة أن يكون التعليم فيها تعليماً رفيع المستوى مدفوع الثمن، يتمتع به أبناء المجتمع دون استثناء.

وأرى أن قطاع التعليم بشكل عام يشهد تطوراً كبيراً واندفاعاً جاداً بعد مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية، ولم يكن قطاع التعليم الخاص بعيداً عن هذا التطور، ولعل نظرة سريعة في زيادة عدد المدارس الخاصة، والطلبة المسجلين فيها خلال السنوات السابقة حسب الإحصائيات الفلسطينية الموثقة في هذه الدراسة، تعبر عن ذلك بوضوح كبير. حيث تفيـد نتائـج مسـح وزارة التريبة والتعليم للعام 2018/2019م بـأن هنـاك (3037) مدرسـة فـي الأراضي الفلسـطينية، منها (2300) مدرسـة فـي الضفـة الغربيـة (737) مدرسـة فـي قطـاع غـزة. وتتـوزع حسـب جهـات الإشراف كمـا يلـي (2234) مدرسـة حكوميـة (370) مدرسـة تابعـة لوكالـة الغـوث (433) مدرسـة خاصـة.

وبينـت نتائـج المسـح أن هنـاك (1,282,054) طالبـاً وطالبـة بينهـم (662,635) وموزعيـن حسـب جهـات الإشراف كمـا يلـي:( 836,084) طالـب/ة فـي المـدارس الحكوميـة و(324,862) طالـب/ة فـي مـدارس وكالـة الغـوث الدوليـة و(121,108) طالبـا فـي المـدارس الخاصـة.

ويعمل في المدارس الحكومية (490,79) معلماً و (111,88) معلماً فـي مـدارس وكالـة الغـوث الدوليـة و(9147) معلماً فـي المـدارس الخاصـة. إنّ التعليم يعد أهم خدمة تقدمها كل دولة لمواطنيها؛ للوصول إلى التقدم والتطور، من خلال عنايتها بمستوى جودة المخرجات التعليمية، ومدى ملاءمتها لسوق العمل على الصعيدين المحلي والدولي، وعند حدوث التدهور في المنظومة التعليمية؛ فإن ذلك بالتأكيد سوف ينتج عنه التردي في جودة الخدمات المقدمة في كافة قطاعات الدولة، وتواجه الأنظمة التعليمية الحكومية والخاصة في البلدان العربية عدة تحديات تجعلها في منافسة شديدة فيما بينها لكي ترضي عملاءها (متعلمين- أولياء أمور- المجتمع)، وتجعلها في سباق دائم لمواكبة مستجدات سوق العمل العالمي، وتتمثل تلك التحديات في التطور السريع الحاصل لعلوم التكنولوجيا والمعلومات، والتقدم في مجالات البحث العلمي، وظهور النظريات الجديدة، فكلها أدت إلى حاجة تلك الأنظمة لإجراء تغييرات جذرية في السياسات التعليمية والهياكل التنظيمية لها.

وفي ازدياد انتشار المدارس الخاصة عاماً بعد عام، وما يتبعها من زيادة نسبة الطلبة المسجلين فيها، مؤشر على تدني سمعة ومستوى المدارس الحكومية في المحافظة، وارتفاع مستوى القلق لدى الوالدين على مستقبل أبنائهم التعليمي.

ويظهر ذلك من خلال التنافس الظاهر والخفي بين المدارس الخاصة في المحافظة لتقديم أفضل الخدمات التعليمية والترويحية، وبلورة بيئة مدرسية مشجعة للأبناء والوالدين على حدٍ سواء لحفزهم على إلحاق أبنائهم فيها، لتوفير البديل المناسب والذي يحقق تطلعات الآباء نحو مستقبل أبنائهم.

وإن كان كثير من الآباء لديهم مخاوف بشأن إرسال أطفالهم إلى المدارس الحكومية، خاصة الآباء الذين يبحثون دائماً عن الأفضل، والمدرسة الخاصة هي الخيار الأنسب للأهل عند اتخاذ قرار الاختيار، وهذا القرار هو الأهم على الإطلاق لدى الوالدين لضمان مستقبل أبنائهم التعليمي.

إن المدارس الخاصة تظهر وتنمو عندما تكون المدارس الحكومية غير مرغوبة، ويقل عدد المدارس الخاصة عندما تكون المدارس الحكومية ذات سمعة جيدة، ويستمر نموها مع وجود مدارس حكومية ذات سمعة جيدة إذا كانت الدوافع لظهور مدارس خاصة دينية أو عرقية أو اجتماعية أو أسرية، والمدارس الخاصة لا تنمو ولا تتقلص نتيجة إلى عوامل محددة ومشتركة، وإنما تخضع كل مدرسة خاصة إلى عوامل خاصة بها تساعد على نموها وتقلصها.

وأمام غلبة التقويم السلبي لواقع التعليم في مناطق السلطة الفلسطينية على التقويم الإيجابي لذلك ظهرت مقترحات بتقديم حوافز جديدة لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التعليم الأساسي بوصفه أحد المداخل للتخفيف من مشكلات قطاع التعليم، وتحسين جودته، هذا بالإضافة إلى الحوافز التي تقدمها حالياً السلطة الفلسطينية لهذا القطاع.

إن الدعوة لتقديم حوافز مادية وغيرها للقطاع الخاص، وفق شروط يتفق عليها بين هذا القطاع الخاص، ووزارة التربية والتعليم، وقد شملت هذه الدعوة بعض الحوافز مثل:

منح القطاع الخاص مرونة في اختيار مناهج إضافة للمنهاج العام،

وتوفير برنامج قروض للمدارس الخاصة بفوائد منخفضة، من خلال تخفيض الضرائب على المدارس الخاصة الربحية،

وإشراك القطاع الخاص التعليمي في الدعم المادي المقدم من المانحين للقطاع التعليمي الفلسطيني.

لكن الأولوية لا تكمن في تقديم تسهيلات إضافية للقطاع الخاص التعليمي، بل في التركيز على تطوير نظام التعليم العام، والعمل على توفير مستلزماته المادية، والبرامجية، والتدريبية، والمؤسساتية.

إلى اللقاء في الحلقة الثانية غنام غنام 2020

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق