تدوينات

لاجئ.. أو نصف إنسان

وصف عالم الاجتماع البولندي “زيجمونت باومان” المخيم قائلاً: “..وهو حالة مستمرة و دائمة من الوجود المؤقت..”

حيث أنَّ المخيّم عبارة عن تراكم أزمات، أهمها أزمة الزمان و أزمة المكان، لأن ابن المخيم لا يعتبر مخيّمه وطناً ولا سكناً! وزمانه هذا قد توقف لحظة اللجوء.. إلى أجلٍ غير معلوم. وقد تسطّر في وجدانه أنه يعيش في زمان ومكان مجهولين، كأنه في الوسط بين ماضٍ سليبٍ وحاضرٍ لن يبلغه.

فاللاجئ محض مشروع إنسان لم يكتمل، ووجود فرديّ أو جماعي مؤجل.. فالإنسان -أيّ إنسان- يرتبط فيزيائياً بمكان وزمانٍ معلومين..

والزمن بطبيعة حاله مرتبطٌ بالحركة والتغيير الذي يدلّ على وجوده ابتداءً وهذا ما يجعل الزّمان نسبياً، حيث كانت الحروب في الماضي تحتاج وقتاً في الإعداد والمسير وعدد من المعارك والتحام مباشر مع الآخر، وغدى الآن زر ٌ على مكتب أحد الرؤساء كفيلٌ بمحو بقعة جغرافية مع تاريخها.

ولأن العيش الفيزيائي وحده لا يحقق كمال الإنسانية! كما أن شعور الإنتماء المفقود يشكّل فجوة بين الكائن وما يجب أن يكون.. يأتي هذا الشعور كمسألة وجودية، إنّه اعتراف الوجود أخيراً وإقراره لنا بأنّنا لطالما كنّا نستحقّ أكثر من مُجرّد عَيش بيولوجيّ!

“إنّنا بالمُصطلحات الفيزيائية، نسكنُ المكان..أمّا بالمُصطلحات العاطفية، فنحنُ مَسكونون بالذاكرة”

‏- جوزيه ساراماجو

وهكذا يعيش اللاجئ فيزيائياً في زمان ومكان معلومين، إلا أنّ انعدام الشعور بالانتماء الملازم لحياة اللاجئ يحدّ من شعوره بالاستقرار، الأمر الذي يجعل منه متوقّفاً مؤقتاً ولفترة طويلة..

وعلى هذا ينشأ كل جيل جديد في حياة المخيم، يولد فيه الفرد مترقباً انفكاك هذه الأزمة الوجودية الوجدانية، بهذا لا يستطيع مواصلة مسار التّاريخ القديم ولا كتابة تاريخٍ جديد.

وفكرة الاندماج التي قد تخطر بديهيّاً كحلٍّ لمعضلة الضياع هذه على شكل تساؤل مفاده -وماذا يضرّ لو بدأ اللاجئ حياةً جديدة في مخيّمه واستقرّ وقنع بواقع حاله؟

ذلك لأنّ إعادة تشكيل المكان هو جُزء من إعادة تشكيل الذات وأنّ الدافع لحفظ التُراث هو جزء من الدافع لحفظ الذات والهُويّة.. فمن دون معرفة ما كُنّا عليه، يصعُب علينا معرفة إلى أين نحنُ ذاهبون، فالماضي هو أساس الهُويّة الفردية والجماعية.

وما يسع اللاجئ أن يفعل بماضٍ قد سلبوه إياه!؟

يتساءل درويش: “يا أرض! لم أسألك: هل رحل المكانُ من المكان” ‏لأن رحيل المكان عن نفسه، هو رحيل ممارسة الناس عنه، رحيل الذاكرة، ورحيل التاريخ.

‎هل تعلم ما الذي يجعل اختراقَ أحدهم صفّ الدورِ أمراً غير مقبول بل في غاية الاستفزاز ، أو أنّ سيارة قد تدخل أمامك قاطعةً عليك الطّريق!؟

هو شعورك الدّاخليّ بأنّك موجود وأنك لست شبحاً ولا شفّافاً وتشغل حيزاً لا ينبغي للآخرين تجاهله! وكذا معاركنا في أصلها.. معارك إثبات وجود، معارك تفرض على الآخر أن يعترف بنا… ‏أن أكونَ موجوداً يعني أن أحجز مساحة مكانية في زمنٍ واضح في الوجود.. مساحة لا يُمكن تهميشها ولا ينبغي تجاهلها، تجعل الآخر غير قادِر على إنكار وجودي..

قد يخطر تساؤل ما عن هجرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنها ابتدأت من الصفر الزماني وصارت إلى ما صارت إليه في مكانٍ جديد تماماً.. فما الفرق إذن بين هجرة وهجرة؟

هذا ليس إلا اختزال مجحف ومقارنة سطحية، فالهجرة ليست محض انتقال جغرافيّ في تأريخ زماني عابر كما الحال في المخيّم، ولم تكن هذه التجربة الأولى من نوعها، فقد كانت الهجرة إلى الحبشة خطوة تمهيديّة في سياقها، وقد سبقت الهجرة المكانية هجرات ضخمة في نفوس الصحابة الكِرام ودواخلهم ابتداءً، وكانت وجهتهم إلى المدينة خياراً مدروساً وليس إكراه الهارب من عدوه، فقد كانت المدينة هي الحاضنة الأمثل لبذرة الدولة المرجوّة، وكانت الهجرة بغية بناء الدولة هدفاً قائماً بذاته والهجرة هي الدرجة الأولى على سلّم الصعود وليست طارئاً غير واضح المعالم،كحال المخيّم الذي هو مكان للاجئ وليس موقعاً له هو جغرافيا فاقدة لهويّتها، كما عبّر عنها حسين البرغوثي “أما المنافي فهي أمكنة وأزمنة تغيِّر أهلها” لا هي منهم ولا هم منها. وكلمة ” منفى” في العربية ترتبط بـ “نفى” كنقيض لأكد، إنَّه علاقة سلبية “تنفي” أنَّنا منه وأنَّه “منَّا”.

ليبقى الفرد على عداء مع هذه الجغرافيا الجديدة فهي لا تنفكّ تزاحم ذهنه لتطمس ما اتّصل بالذاكرة والهُويَّة والتّاريخ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق