تدويناتتربوية

“رمضان يجمعنا”… لا تكن لقمة سائغة في فيه الإعلام

كانت فكرة الولادة هي الخروج للحياة التي قُدرت لنا، لكننا نحن ولدنا مدفونين بالحياة، لا نفكر بأبعد من أنفنا، وإذا ذُكرّنا بشكل آخر للتفكير وقفنا معرضين أن “هذا ما وجدنا عليه آباءنا” وإنّا بهم لتابعون!

لو حاولنا تبديل حالنا قليلا، أن يكون دفنُنا في الحياة بداية بعث للآخرة وفي شهر يأخذنا بأحضانه ويديه بقوة، سهل يسير لو انتهجناه غراس لنا فيما بعد لنزهر!

فكرت كثيرًا في الهدف وراء عرض البرامج كافة دفعة واحد تحديدًا في شهر رمضان، ولو وضعنا فكرة “عرض الجديد في المناسبات” لوجدنا العديد من المناسبات الأخرى أكثر ملاءمة مع ما يُعرض، مثل رأس السنة الميلادية أو الأعياد باختلاف الديانات، أو ليعرض المنتج الإعلامي من مسلسل أو فيلم أو برنامج دون مناسبة، ليصبح مناسبة وحده!

لكن في رمضان دون شهور السنة ومناسباتها، تمتلئ الشاشات وتصدح بكل ما هو مخالف لما يُفترض أن يكون عليه هذا الشهر ليصبح اسم شهر رمضان لدى كثر “شهر المسلسلات”!

قرأت سابقا كتابا لأحمد خالد مصطفى جاء فيه “إن مشاهدة التلفزيون كثيرًا ستخرب دماغكم، من يشاهد هذا الشيء ينتهي به الأمر بدماغ خربة كعلبة صفيح مدهوسة”.

قد يسخر البعض من هذا الكلام لكن هذا ما يحصل تماما، للوهلة الأولى قد لا تدرك طبيعة التأثير، لكن نفسك تدريجيا تتشكل وفق ما تراه، بطريقة أو بأخرى حتى يصل الأمر إلى شهر رمضان، تكون الصورة الأساسية أن رمضان شهر التلفاز والأعمال الدرامية لا شهر الطاعة والقرآن!

بعد الضجة الإعلامية والدرامية التي تصدر عاما بعد عام، صرت أحاول تذكير نفسي بما تبثه تلك القنوات وما وراء ذلك من هرج ومرج وبعدا عن الهدف الأساسي من رمضان والحياة بشكل عام، ولا أقول أنها باطلة وقاطعوها ولا تقربوا الشاشات، لكن ما بين بين، وقتٌ لحاجات التسلية في نفسك وآخرٌ لبنائك، فما كل الفجوات تُبنى بالضحك، وتوافه الأمور لا يعوّل عليها!

لو أمعنّا النظر بإعلانات القنوات وفواصلها في هذا الشهر، وما يتغنون به من “رمضان يجمعنا” ستلمح المعنى الباطني ربما، إذا نظرت لنفسك وأنت من جهاز تحكم لآخر ومن موعد لآخر وبين الفواصل تُنهي ركعة وتتلعثم بوِردٍ، في الحقيقة كانت “رمضان يجمعنا” هي نفسها إعلان باطني للتفرقة بينك ونفسك، بينك وقبلة قلبك؛ هذا الوقت ينسل من بين أناملنا ما هو إلا بضع سويعات ويمضي، يظل الشهر في السنوات كلها كما هو بوقته وبركته، لكننا نحن من نمضي ولا نعود!

ما مضى لا يعود، إلا إذا كان له غرس فينا ينبت ولا ينضب!

فما أكثر الغراس وما أقل الغارسين!

أفكر في الشعارات دائمة الترديد على ألسنة الناس دون إدراك لفحواها، في كلمات الأغنيات والإعلانات التي تُكرر دون وعي ولو فقه أحدهم معناها لبكى من جهالته! في الصدمات التي تعتلي عيون الناس حين يُحذرّهم واعٍ لطبيعة ما يردد ويشاهد بأفواه تصدع إعجابا وعقول تردد مثل آلات مسجلة، في الأفكار التي تُزرع طفلة وتُربى على نهج معين ثم تكبر وتكبر حتى تصير جزءا لا يتجزأ من صاحبها، في الإعلام نحن سلعٌ تحت الطلب، متى ما أرادوا زيادةَ ربحِهم، بثّوا لنا مما يملكون، فنحن بطاقاتهم الرابحة، نفرح حين يُعرض ما نشاهده مجانا على التلفاز والمواقع واليوتيوب، لكن في عصر كهذا، نحن الثمن “ذواتنا”!

كلما مرّ أمامي دعايات “رمضان يجمعنا” _على مرّ سنوات_ أرى الرسوم المتحركة التي تمثل الدعاية، كل ما تحتويه هو موسيقا وأغانٍ ورقص وطعام، والشخصيات ممتلئة البدن بلباس تقليدي، بعد كل هذا ألم تصل الرسالة بعد؟!

لو لم نصفق لهم منذ البداية بحرارة، لما سرقوا رمضانك بهذا الشكل، لو لم ترفع لهم القبعة إعجابا لَما انحنى رأسك الآن وأنت تتطأطئ رأسك لهذا الإعلان وذاك المسلسل، جرب أن تردد خلفهم عن وعيّ، وأنت تعرف ما السر وراء كلماتهم وألحانهم وإيماءاتهم وطريقة تصويرهم ومشاهدهم، ستكتشف أن دموعك التي ذرفتها حزنا على مشهد كان الأولى بك أن تبكيها على نفسك، ضحكاتك نتيجة سخرية على شخصية أو موقف أو مشهد محرج _على الضفة الأخرى_ كنت أنت من يثير ضحكهم فقط لأنهم استطاعوا تطبيع دماغك وفق أهوائهم، تذكر دائما؛ لا شيء يحصل عبثا… كل ما تراه حصيلته أنت؛ فحاول ألا تجعلهم يفرحون بسلعة أنت ثمنها!

هذه المرة، جرب أن تكون أنت اللص! لا أن يكونوا هم لصوص رمضانك.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق