تدوينات

أن تكون ممرضاً

نعم أنا ممرض. في الحقيقة لم أختر هذه المهنة بل هي اختارتني أو يسرها الله لي لكي تكون روحي التي أحيا بها وأحيا من أجلها.

هذه مهنتي ومهمتي وأعتز وافتخر بها ولست نادما على قدري. عندما رأيت وسمعت كيف احتفى العالم بيوم التمريض العالمي الذي يصادف الثاني عشر من أيار من كل عام. إختلجت مشاعر الفرح والحب والألم معا.

فالتمريض هو نفسه في كل العالم وكذلك المريض هو نفسه في كل العالم أيضا.. والإنسان هو الإنسان. ولكن الفارق هو في الإنسانية والحقوق والثقافة والأخلاق.. وكذلك في لعب الأدوار بالشكل الصحيح وفق منهج علمي وأخلاقي مدروس ودقيق.

فأذا عرف كل منا دوره وواجباته وحقوقه بالشكل الصحيح كان هناك النجاح والتفوق والنهوض بالأمم وبناء الحضارة والمدنية العريقة..

إن أصل العلوم الإنسانية هو الرياضيات وأصل العلوم الصحية هو التمريض ولا شك. أن تكون ممرضا يعني أنك تفكر بنفسك أخيرا وليس أولا.. أن تحيى للآخرين وأن تشعر بهم.. وأن تكون لهم سندا وعونا في الوقت الذي يكونون فيه في أشد لحظات الضعف والحاجة لمن يسمعهم ويشعر بهم.. في الوقت الذي لا يستطيعون فيه من خدمة أنفسهم. في اللحظة التي خانتهم بها قواهم الصحية والنفسية والعقلية.. في اللحظة التي غاب عنهم أو تغيب عنهم أقرب الناس لهم بقصد أو بدون قصد..

أن تكون ممرضا

يعني أنك لا تنتظر الثناء من أحد أبدا رغم أن ذلك نوع من المحفزات المهنية.. بل تكون أشد لحظات الفرح عندك هي عندما ترى وتلمس ثمرة جهدك وتعبك.. عندما ترى مريضا تعافى من مرضه و عاد إلى بيته وأسرته بوضع صحي ونفسي ممتاز بعدما كان فاقدا للأمل.. ذلك الأمل الذي زرعته فيه من جديد بعد المجهود العظيم الذي بذلته أنت ومن معك من الطواقم الصحية. أن تكون ممرضا يعني أنك أول من يستقبل المريض وآخر من يودعه في جميع الظروف.. سواءا عائدا إلى بيته وأسرته أو لا قدر الله ذاهبا ومحمولا إلى مثواه الأخير.

يعني أن تتعامل مع المريض( 24/7/30/365). أي أن يراك المريض كل لحظة نهارا وليلا من لحظة دخوله المشفى إلى أن يخرج منه.. في الوقت الذي لا يراه غيرك من باق الطواقم الصحية إلا لحظات بسيطة يومياً أو عند الضرورة..

أن تكون ممرضا

يعني أنك تخفي كل مشاعر الحزن والألم سواءا كانت شخصية نفسية إقتصادية أو عائلية أو ما يتعلق بوضع مريضك. وأنت تعرف عنه كل شيء ولكن لا تستطيع أن تبوح بشيء. وإذا لا قدر الله أنك فقدته.. فلا تستطيع تظهر حزنك لفقدانه بل تكتفي بالصمت القاتل. فيعتقد الجميع أنك بلا مشاعر أو أنك خال من الإنسانية.

أن تكون ممرضا

يعني أن تكون في حالة تطور مستمر علميا ومهنيا وتسعى دائما لتطوير مهاراتك العلمية والمهنية والتقنية. فأنا مرشح للقيام بجميع الأدوار في كل لحظة.. تلك الأدوار التي تتوزع على جميع الطواقم الصحية والمهنية والتقنية.

أن تكون ممرضا

يعني أنك يجب أن تكون مثقفا تستطيع عمل حوارات إيجابية بناءة. وتستطيع فهم مريضك ومن معه بغض النظر عن درجته العلمية أو مستواه الثقافي..

أن تكون ممرضا

يعني أنك يجب أن تكون قادرا على فهم مرضاك متى يكونون سعداء راضين ومتى يكونون متألمين. وذلك بتطوير الذات المستمر. وأن تكون صاحب شخصية مميزة تقيم الأمور بشكل مهني ممتاز وأن تأخذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب وبدون تردد. وأن تكون حاسما وأحيانا حازما. وأن تكون مسلحا بالعلم والمهنية العالية. وأن تقابل الإساءة بالصبر والمغفرة. والأهم أن تكون مسلحا بالعلم والإيمان والدعاء ومتوكلا على الله دائما.

أن تكون ممرضا

يعني أن تقدم العناية للجميع على السواء بدون تمييز أو تحيز بغض النظر عن العرق والدين والإنتماء السياسي. يعني أن تكون من رجال الصحة بشكل مهني كامل. أن تكون ممرضا يعني أن وقتك ليس ملكك وأن تكون جاهزا للإنطلاق دائما وعلى أهبة الإستعداد.. وأن تترك دفء بيتك في الشتاء.. وأن تترك أسرتك في أي لحظة تلبية لنداء الواجب المهني والإنساني.. ويعني أيضا أن تضطر أحيانا كثيرة للتنازل عن كثير من المناسبات الإجتماعية في سبيل رسالتك العظيمة. لدرجة أنك تصبح أقرب إلى الصفر الإجتماعي. . وأن تتعود على تغيير ساعتك البيولوجية فليلك نهار ونهارك ليل. أن تتعود الخرج للعمل والعودة منه بعكس الآخرين. وأن لاتنتظر مقابل عملك إحسانا من أحد. فكرامتك هي رأس مالك.. فلا تخضع لأحد رغبة فيما عنده من متاع الدنيا الزائل أو في زيادة أو منصب فكل شيء مقدر من عند الله.. والله سبحانه وتعالى هو يجازي وهو أكرم الأكرمين.

أن تكون ممرضا

يعني أن تجعل لأسرتك وأهلك ما بقي من وقتك خالصا وخاصا بهم وأن لا تقصر معهم.. وأن تكون أسرتك الثانيه في مكان عملك محل تقدير وإحترام عظيم. أن تكون ممرضا يعني أن تكون مستشار صحيا لمن حولك وخاصة عائلتك. فأنت في نظرهم الطبيب والصيدلاني وكل شي في المنظومة الصحية.

إن تكون ممرضا

فعليك أن تتحكم بردود الأفعال والإنفعالات.. وأن تتعود على سماع بعض العبارات مثل أنتم ملائكة الرحمة. في الوقت الذي تكون فيه أشد الناس للرحمة.. وكذلك فإنك قد تتعرض للأذى وللإعتداءات الجسدية أو النفسية من أحد المرافقين. لأن أمرا ما حصل للمريض وليس ذلك بسببك أنت. أو لأن المرافق طلب منك أمرا خارجا عن قدرتك وصلاحياتك الإدارة أو ليس من تخصصك التقني. ومما لابد من ذكره هو أنك كممرض يجب أن تسعى للحصول على حقوقك سواءا كانت مادية أو معنوية. فهي حقوق مشروعية يكفلها لك القانون. ويجب أن تصان من كل أذى مادي أو نفسي أو جسدي. وهنا يكمن دور المؤسسات سواءا كانت رسمية أو غير رسمية في حفظ الحقوق. فيجب أن يحظى الإنسان بالحقوق التي ضمنتها جميع الشرائع السماوية والتشريعات الحقوقية الإنسانية التي إتفق عليها أهل العلم والخبرة. وهنا وفي هذه الأوضاع الصحية والاقتصادية الصعبة التي تجتاح العالم أجمع.

وجب على الحكومات والمؤسسات إعادة تقييم الأولويات وإعطاء الحقوق لأصحابها بناءا على حاجة الإنسانية والرقي الإنساني. ويجب تغيير النظرة السلبية في المجتمع تجاه التمريض بشكل خاص. وخاصة في بلادنا العربية. وكل هذا كان بسبب زرع ثقافة خاطئة وقاصرة تجاه التمريض. وهذا ناتج عن الكثير من الأعمال السينمائية السيئة والهابطة التي قدمت للمشاهد. بشكل خاص تلك الأعمال المتدنية في مستواها العلمي والثقافي والاخلاقي. إن الرقي بأي مهنة يجب أن يبدأ بتحسين التشريعات.

وهنا أرجو في المستقبل القريب أن يكون للتمريض نوابا في المجلس التشريعي يكونون لهم السمع والبصر والفؤاد.. فيعيدون لهم حقوقهم المسلوبة..

ومن هنا أبرق برسائل لجميع المسؤولين بأن يسعوا جاهدين للتحسين من الوضع الصحي والمساواة بين الكوادر الصحية.. وبما أن أساس الإصلاح يبدأ بإصلاح الإنسان وتحسين أوضاعه العلمية والعملية والمهنية. وإذا عرفنا بأن التمريض يشكل النسبة الأكبر في الطواقم الصحية تقريبا 50٪.. فإن أي إصلاح لا يشمل الكادر التمريضي هو إصلاح ناقص وغير عادل. …….

وهنا يأتي دور النقابة التي تمثلنا نقابة التمريض. فعليها أن تعمل لمصلحة التمريض بالدرجة الأولى.. لأنهم هم القاعدة القوية التي ترتكز عليها هذه النقابة. ولأن الأصل هو الفرد المكون الأساسي للمجتمع. إن المشاكل التي يعاني منها التمريض في وطني هي تقريبا نفسها منذ زمن بعيد وإلى يومنا هذا. مع تغيير بسيط في شكل المشكلة وحجمها وطريقة عرضها. فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك ضغط العمل الكبير الذي يرهق الكاهل التمريضي ويستنزف قدراته وهمته. كذلك يضطر الممرض لتجديد مزاولة المهنة سنويا بينما لا يضطر غيره لذلك. وتعليلهم لذلك بأن الممرض قد يغير مهنته. وهذا تعليل ضعيف يفتقد للمصداقية وللمهنية. فأي شخص ممكن أن يغير مهنته.

فلربما يتحول الطبيب أوالصيدلاني أو الممرض أو المهندس إلى تاجر أو مزارع أو ممثل أو غير ذلك. وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك. وقد يترك أي إنسان العمل بشهادته العلمية فلا يقتصر ذلك على فئة معينة. وكذلك الممرض.

ولكن أيهم لا يتنازل شهادته العلمية التي تعب في الحصول عليها. فهي تبقى في عقله وقلبه وهي روحه وهي الماضي الجميل أو الصعب.

وأخيرا وليس آخرا.. إن العلاقة بين جميع التخصصات والمهن علاقة تكاملية. ونحن جميعا في مركب واحد ولكل دوره المهم والفعال. والهدف واحد. ألا وهو الإبحار إلى شط الأمان. والوصول إلى أعلى درجات الرقي الإنساني في خدمة الإنسانية. لقد حاولت عرض صور حية من حياتنا كممرضين. قد يشترك معنا الكثير في ذلك. فإن أصبت فبفضل الله سبحانه وتعالى وإن أخطأت فلست بمعصوم عن الخطأ. ودمتم بألف خير وصحة وعافية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق