إشراقات سياسية

حرب البنوك على الأسرى والقضية

لم تكن أول مرة تغلق فيها البنوك الفلسطينية حسابات لأسرى أو مقاومين، لكن هذه المرة تفتحت عيون الناس على ما يجري داخل النظام المالي الذي بات يحكم مفاصل حياتنا، والمشكلة أكبر من الأسرى فالنظام المالي هو أداة لحصار غزة ومحاربة المقاومة وللتحكم بحياتنا وفق قاعدة أننا “لا نستطيع التصرف بمالنا كما نشاء”.

والمشكلة أيضًا أكبر من فلسطين فأمريكا والأنظمة الاستبدادية تستخدم النظام المالي لترويض الشعوب العربية وتكبيل حركتها، وهذا ما سنلقي عليه الضوء لأنه حتى لو حلت مشكلة رواتب الأسرى فالمشكلة الأكبر ستبقى سيفًا مسلطًا على رقابنا.

انتشرت البنوك ومعاملاتها المختلفة من أجل التسهيل على الناس حياتهم، إلا أنها تمثل سلاحًا ذا حدين لأنها تخضع لرقابة الدولة المركزية كما تتدخل أمريكا في عمل معظم بنوك العالم مستخدمةً سلاح العقوبات الاقتصادية لابتزاز وإجبار الجميع على الخضوع لها.

كما انتشرت في السنوات الأخيرة خدمات الدفع الإلكترونية وهي أيضًا سلاح ذو حدين، فمن ناحية تسهل على الناس تعاملاتهم اليومية ومن الناحية الأخرى تعني المزيد من الرقابة والمركزية وتدخل الدولة.

لهذا تعمد الدول الاستبدادية على إجبار مواطنيها على استخدام هذه المؤسسات حتى تستطيع التحكم بهم، وهذا نجده واضحًا في الصين، وهو واضح أيضًا في فلسطين حيث شجعت السلطة التعامل مع البنوك واستخدام الشيكات والقروض، ثم بدأت بإلزام المؤسسات باستخدام البنوك لإنزال الرواتب والمعاملات الرسمية، وإن كانت الحجة هي الشفافية والتضييق على الفساد لكن أيضًا يستفيدون منها في مراقبة الأموال التي تصل إلى المقاومة، وأيضًا لربط مصالح الناس بالبنوك والمؤسسات المالية بحيث يكون هنالك ثمن باهظ لمن يفكر بالمقاومة يتعدى السجن إلى المساس بأمواله ورزقه ورزق عائلته. ودولة الاحتلال تسعى حاليًا لتطبيق قانون يمنع أي شخص أن يدفع نقدًا في معاملاته التجارية أكثر من 11 ألف شيكل (3100 دولار)، أي مبلغ أكثر من ذلك يجب أن يدفع من خلال البنك حتى يضمنوا رقابة تامة.

ولو وسعنا النظرة لوجدنا أن السلطة أرادت من قانون الضمان الاجتماعي (ومثلها أغلب الدول العربية) ربط الراتب التقاعدي للمواطن بمؤسسة حكومية حتى يصبح بقاء السلطة ضرورة لهذا المواطن الذي سيخشى على راتبه التقاعدي فيما لو ذهبت السلطة نتيجة أي مواجهة مع الاحتلال. واليوم بدأت السلطة من خلال شركة جوال الترويج للمحفظة الإلكترونية، وهي احدى طرق الدفع الإلكتروني، ولا استبعد في مرحلة ما أن يصبح الدفع إلكترونيًا إلزاميًا للكثير من المعاملات، وذلك حتى يربطوا المواطن أكثر بمؤسسات الدولة.

لا شك أن كل هذه الخدمات والمؤسسات المالية لها فوائد كثيرة، لكن في المقابل لها تكلفة وأخطر تكلفة هي أنها تجعل الإنسان رهينة للدولة، وهي ليست مشكلة لو كانت الدولة ديموقراطية ترعى مصالح مواطنيها، لكن عندما تكون شعبًا تحت الاحتلال فأنت تصبح رهينة لهذا المحتل، خاصةً أن السلطة مجرد وسيط بيننا وبين الاحتلال وتراقب أموالنا نيابةً عنه، وهي مشكلة أيضًا في الدول العربية التي تتحكم بها أنظمة فاسدة لا تخدم شعوبها.

ضمن هذا المنظور فقرار الاحتلال معاقبة البنوك واستجابة البنوك السريعة لم يأتِ من فراغ بل هو جزء من سلسلة متكاملة، فيمكن القول أن الحرب المالية بدأت قبل 20 عامًا عندما اندلعت انتفاضة الأقصى، وبدأ الاحتلال يحرض على الأموال التي تمنح لعائلات الأسرى والشهداء والقادمة من دول عربية، ثم جاءت أحداث سبتمبر 2001م التي فتحت عيون أمريكا على المؤسسات الخيرية الإسلامية وضغطت على السعودية لتغلق العديد منها وتراقب التبرعات التي تخرج منها ليس فقط إلى تنظيم القاعدة بل إلى جميع الجماعات الإسلامية وإلى فلسطين سواء كمساعدات إنسانية أو دعم للمقاومة.

وبعد انتفاضة الأقصى ووصول محمود عباس للرئاسة عام 2005م بدأ الاحتلال بالتنسيق مع السلطة ومؤسساتها المالية للحرب على الجمعيات الخيرية التابعة لحركة حماس، ثم جاءت أحداث الانقسام عام 2007م لتسرع هذه الحرب وتعطي السلطة غطاءً يبدو مشروعًا في نظر أنصارها.

قطعت رواتب الكثير من الأسرى والأسرى المحررين منذ ذلك الحين، تحت ستار الانقسام، حوربت الأموال التي تصل لحركة حماس ثم امتدت الحرب لباقي فصائل المقاومة، وفي العامين الأخيرين زاد معدل قطع السلطة لرواتب الأسرى والأسرى المحررين وأهالي الشهداء، وتسترت بالمناكفات بين حكام غزة ورام الله مخفية المشروع الحقيقي – أي محاربة منابع المقاومة.

مع وصول ترمب لرئاسة أمريكا وأقصى اليمين الصهيوني لقيادة دولة الاحتلال زاد سقف مطالبهم وضغوطهم على السلطة، وأصبحوا يريدون قطع رواتب جميع الأسرى وأهالي الشهداء ورغم أن السلطة حاولت رشوتهم بقطع المزيد من رواتب المحسوبين على حماس إلا أن هذا لم يشفع لها. لقد تقيدنا جميعًا بمؤسسات بنكية تسيطر عليها السلطة وتتحكم بعملها أمريكا والكيان الصهيوني، بحيث أصبح رفض الأوامر الصهيو أمريكية مكلفًا وعاليًا وكان الأصل أن لا نقيد أنفسنا بهذه البنوك والمؤسسات.

لهذا حتى نتجنب المزيد من القيود يجب علينا رفض التعامل من خلال المنظومة المالية التي تسيطر عليها السلطة حتى لو كان من خلال شركات تجارية خاصة (البنوك)، لأنها بالنهاية تأتمر بتعليمات السلطة وذلك حتى لا نكون رهائن بيدها ويد الاحتلال، ونفس الشيء ينطبق على كل شعب عربي يقاوم نظام الاستبداد الخاص به.

هذه وسائل حديثة تسهل المعاملات اليومية لكن في المقابل هي سلاح يستخدمه الاستبداد والاستعمار ضدنا، وهذه ليست دعوة للمقاطعة التامة لها بل حتى نكون حذرين وأن لا نسمح لهم باقتيادنا نحو الفخ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق