تدوينات

نصري وحنينه المؤرشف في ذاكرة آية


إن قضية الأسرى من أهم القضايا، وهناك الكثير من المقالات التي تم تدوينها بهذا الصدد دفاعًا عنهم، وعن قضية ساميّة في نفوس كثيرون وخاصة وأن هذه القضية قديمة حديثة متجددة في كل زمان ومكان ولا يلبث أن يمر يوم دون وجود اسم جديد ضمن قائمة الأسرى.

دعوني أخالفكم هذه المرة بالقول إن الأسرى أرقام! نعم كل أسير لرقمه معنى كيف لا يكون ذلك والأسير رقم، وأمه رقم، وأباه رقم، وزوجته رقم، وأبناءه وأشقائه أرقام، ومحبيه كذلك، وكل رقم في نهاية المطاف يؤثر على عشرات الأرقام، صحيح أنه طبقًا لآخر إحصائية هناك حوالي خمسة آلاف أسير وأسيرة وعندما نركز أكثر ونعود لبداية الفقرة سنجد نفس العدد آباء ونفسه أمهات …. ألخ ، وهذا يعني معاناة شعب بأكمله لا أسير بعينه!

إن أسرانا أرقام وهذه الأرقام أسيرة المشاعر، أسيرة الأمنيّات، أسيرة الموقف، حتى بعد الإفراج عن صاحب الرقم يبقى أسير اللحظة لكل يوم علّه يعوض كل لحظة مضت، كأنه يقول لنا إن الأسرى أرقام من زاوية أخرى.

بداية الحكاية عندما أراد أخي الارتباط كانت (آية) وعندما تم السؤال قيل لنا أنها شقيقة الأسير نصري عاصي، وحتى أدع حدًا لفضولي وضعت اسم (نصري عاصي) مسبوقًا بكلمة أسير على محرك البحث وجدت انه أحد الأسرى الذي حكم عليه بمدى الحياة.

ومنذ 4 سنوات وآية إحدى أفراد عائلتنا لم أقم بسؤالها عن نصري خوفًا من إعادة شيء من شريط ذكرياتها إلى الوراء حيث الحنين، ولكن دومًا أحدث نفسي عن ماذا أسألها؟ عن أيّ ذكريات وأي مشاعر لطفلة كان عمرها آن ذاك أحد عشرة عامًا، شعرت أنني جبانة لا أقوى على ذلك.

خلال الأيام الماضية وتحديدًا عندما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر وجود صفقة أسرى عادت قصة آية وحنينها إلى ذاكرتي حيث عزمت على سؤالها ولكن، لم تكن لديّ الجرأة لسؤالها مباشرة قُمت بإرسال رسالة لها فيها نوع من الرسمّية، لا أخفيكم كلانا متفاجئتان من حجم الرتابة في كلامي، بعدما علمت ما أريد قالت سأحدثك في الغد.

وحان وقت الحديث في بداية الحديث معها كانت الرجفة تسيطر على حروفي فالخوف سيّد الموقف كيف سأبدأ معها وكيف سأطلب منها أن تبدأ بسرد رحلة حنينها الذي تم أرشفته منذ أن كانت طفلة ومضى على ذلك ستة عشرة عامًا؟ عندما بدأت بسؤالها عن أمور كثيرة قالت لي مع تنهيده: “قلبتي عليّ المواجع، وبعد سماع ذلك تَظاهرتُ بالاكتفاء وأغلقت الهاتف.

إذا كنت أنا بعيدة عن كل هذا الحنين وأصبتُ بالهلع فكيف من يسكن داخل تفاصيله!! فكرت مليّا مع نفسي في مراحلها الماضّية والتي مضت دون أن يكون نصري معها، بناءً على الحدس وبناءً على الشعور وأهميّة أن يكون لك أخ كبير وسند غائب عنك في كل تفاصيل حياتك واقعًا لا تلجأ إليه إذا استدعى الأمر ذلك في وقته.

فمثلًا مرحلة المدرسة من الابتدائية حتى الثانويّة العامة ومتابعة الدروس انتهت من حياة آية دون أن يكون ذلك السند متابعًا لها وناصحًا بل ومراجعًا لدروسها في كثير من الأحيان، انتهت سنوات التفوق وأقبل عام الثانوية العامة عمت الفرحة أرجاء المكان لأن هذا من ضمن البروتوكولات الواجبة ولكن قلب آية يرفض ذلك..

مرحلة الجامعة والتخرج، تمر هذه المرحلة كسابقاتها دراسة مُكثفة وانتهاء دون حضور نصري وتكرر جميع برتوكولات الفرح!! مرحلة الزفاف كثيرًا ما يحضر لذهني كيف لفتاة أن تُزف وشقيقها الكبير غائب لا يُثبت حضوره إلا من خلال صورة عائلية تلتقط حتى يتم إرسالها له علها تعطيه شعور الحضور ولو للحظة، لا يغيب عن ذاكرتي يوم فرح آية كيف اجتمع الكبير والصغير علهم يقوموا بإيقاف الزمن لبرهة حتى يشاهد نصري من داخل عرينه فرحهم المنقوص ويتمعن وجوه عائلته الممتدة والتي وُجدت بعدما غاب كل هذه السنوات.

تعود آية لنتحدث مرةً أخرى في ذات الموضوع ولكن هذه المرة على أرض الواقع في رمضان، بدأت رحلة الأسئلة ولكن؛ عزمت أن أتظاهر بالقوة! آية: هل تذكري آخر موقف لكِ مع نصري قبل أسره؟ على الفور أجابت كنّا مجتمعين بناءً على دعوة منه في بيته، نعم، وما الذي يُميّز هذه الدعوة؟ ردت آية أذكر أن المميز كان عصير الجزر على قائمة الطعام! عصير الجزر ولماذا هو الذي تذكرينه؟ لأن نصري هو من أعده!!

كثير من الأمور تبدو صغيرة وتافهة وبلا قيمة لنا ولكن ذوي الأسرى يشاهدون ويشعرون على أن كل شيء له قيمة.. كم لبثثِ قبل زيارة نصري؟ بعد سنة شاهدته من وراء شبك حديدي لم أستوعب الفكرة ولم أحدثه لأنني انشغلتُ بالبكاء!! آية حدثيني عن الحنين أكثر.

لكِ أن تتخيلي أن أخاكِ الكبير في أوقات مهمة من حياتك غير موجود مثلًا في رمضان هو من كان يُجهز الساحة ويشرف على ترتيبها وفي الأعياد فهو من كان يصنع الحلويات ويقوم بخبزها، إن أمي ليومنا هذا لا تقوم بصنع الحلويات لنا ولا تشرف عليها، ويوم زفافي عندما صعد الجميع من أجل وضع النقوط باستثنائه…

وهل لنصري تأثير على حياتك لتكوني بهذا الهدوء والقبول رغم البعد؟ نعم لقد كان لنصري الكثير من الفضل بعد الله لأن اتصف بكل هذه الصفات الإيجابية وأهمها القبول والقناعة، صحيح أن نصري بالأسر ولكن، كثيرًا ما يشجعني على القراءة والكتابة حتى عند اختياري لتخصصي الجامعي قال لي ذات مرة: ” إذا أردت شيء يجب أن تقدري حاجتك له وضرب لي مثالًا إذا أردت شراء كرسي يجب أن تتأكدي هل أنتِ بحاجة لها وهل تستطيعي العيش بدونها؟

بناءً على ذلك بإمكانك اختيار أي شيء…

وإن نصري برغم بعده إلا أنه قريب فهو يعلم تفاصيل حياتي أكثر من أي فرد آخر في العائلة وكذلك ابني يعرف خاله كأنه موجود بيننا..

حدثتكم عن جزء من حنين آية والذي تم حفظه في ذاكرتها لشقيقها نصري عاصي، ويجب التنويه أن قضية الأسرى عظيمة ولا نستطيع اجمال المشاعر في بضع كلمات، إن موضوع الأسرى موضوع شعب بل قضية أمة وفي قضيتهم يجب عدم وضع العاطفة جانبًا ويجب ألا تأخذ قضيتهم موقف الحياد، و يجب الحذر قبل تناقل أي خبر عن صفقة هنا أو هناك أو حتى عن انتشار الوباء في صفوفهم لا قدر الله لأن هذا يعني هلع آلاف العائلات والأرقام، إن الأيام القادمة إما أن نستمر بالاستعراض الإعلامي وإما أن نحمل هم قضيتنا فوق كل اعتبار من خلال الدفاع عن قضية الأسرى وإما أن تسقط ورقة التوت المُتبقية.

وعندما قرأت الآية الكريمة: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿٣٩﴾) سورة الحج.. اختصرت كل شيء فنصرهم من الله وكفى بالله ناصرًا، مهما حاولت فلن أنصف قضيّة الأسرى الساميّة. صمود حبايبه جنين

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق