قصة قصيرة

سَــــراب

رَكِـبْنَ حافلةَ الزّيارة، والشَّمسُ ما زالت نائمةً، لا يقطعُ هُدوءَ الليل سوى صوت بعض الكلابِ الضّالة في الشّارع ودورياتٌ للاحتلال ترابطُ أمام منزل في زِقاقٍ بَعيد.

حلا، الاسم الجميل، سمّاها به والدُها، طفلةٌ في التاسعة من عمرها، عيناها مُنتفختان مُحمرّتان وجَدائلُ شَعرها على كتفيها تَحكي رحلةَ شَوْقٍ لوالدها. تسري ليلاً تُــزاحمُ الغيومَ وزخّاتِ المطر، تطيرُ كالطيور لرؤية والدها وتختبئُ من البرد في حضن والدتها، لتعود للبيت ليلاً كما حدثتها.

وجدتها السّبعينية تتفقد حقيبة الزيارة:

“لم ننس شيئاً والله أعلم، هنا الشبشب (والبيجاما)، وهذه الملابس الدّاخلية، وتلك زجاجة الزيت، وهذا كيس الزعتر”

وبكلمات متقطعة قالت أمها: “إن شاء الله يسمحون لنا بالدخول، تنغيصٌ في كل مرّة، وهذا ممنوع، وهذا مسموح. ولا ندري، أوصلت (الكنتينة) أم لا.”

حلا لا تشغل بالها في حوار جدتها وأمها، تفكر فقط ماذا ستخبر والدها في أول لقاء، كيف سترتب كلماتها، بماذا ستبدأ، هل تبدأُ من المدرسةِ أم من البيت، أم من مشكلاتها مع أخيها الصغير عمر، أم ستخبره عن حفلة نهاية العام في المدرسة، أم عن مصروفها الذي أصبح شيقلين بدلاً من خمسة.

عبارات صغيرة تتزاحم في عقلها، وتحاول ترتيبها حسب الأهمية، كم كان صعباً عليها أن تستيقظَ كل يوم، ولا تجد والدها معهم في البيت، كانت تُخفي دموعَها داخل وسادتها كل ليلة، فقد كان حُزْنُها بِـوُجودِه يَـزول، وفَرَحُها معهُ يَزداد.

ويقطع هدوءَ تَـفكيرها صوتُ محرك الحافلة الضخم، لقد بدأت الرحلة الأولى لرؤية والدها بعد ستة أشهر من الاعتقال، لأنّها عَلِمَتْ من خلال حوار جدتها وأمها أنّه كان في التحقيق، وكثرةُ تنقلاتهِ بين السجون؛ جعلت زيارته أمراً صعباً.

ولكن، الآن: “صدر تصريح الزيارة”

لا تعرف ما هو التصريح، ولكنها تعرف أنها ستراه، وستخبره بمدى اشتياقها، وستبث له همومها كلّها، فكرت في كل شيء ورتبته في عقلها، ثم كتبته على ورقة انتزعتها من دفترها ليلاً، كانت مجعّدة قليلاً، وبهتت بعض حروفها، فدموعها تركت بصمتها عليها.

سارت الحافلة بهدوءٍ متقطع من حاجز لآخرَ، وعيونها تراقب الشّارعَ مُصارِعةً النُّـعاسَ الذي نزلَ كالجبلِ ثِقلاً على جفنيها، ورأسُها يتمايلُ مع حركة الحافلة. اختفت عيونها البُـنيّة في بطء شديد.

دخلت ساحة السجن، وبدأ البردُ يتلاشى تحت إشراقة الشمس، لكنّ حرارةَ اللقاء تُشعِلُ في الجسد أشواقاً لا تنطفئ.

ما تراه من بعيد أثار استغرابها؛ فالمعتقلون يجلسون في حديقة مليئة بالزهور وليس في الخيام، والأشجار العالية حولهم من كل جانب التي تشبه حديقة جيرانهم ولا توجد أسلاك شائكة ولا قضبان، يضحكون أمام التلفاز، ويلبسون ملابسَ جميلة، كأنهم في يوم عيد، وأمامهم (طعام ولحم وعصائر)، وحتى (كولا)، وآخرون يأكلون الحلوى كأنهم في المطعم الذي رأته في التلفاز، ومن بعيد فريق يلعب الكرة الطائرة، وفي طرف الساحة مسبح واسع.

“جدّتي وأمي تكذبان، فالسجناء سعداء، هذا ليس سجناً بل متنزّهاً، ولا يعذبهم أحد، ولا يأكلون إلا الطعام الجيد”

وفجأةً أطلَّ والدها من بين الجموع، نعم إنه يظهر كما في الصورة المُعَلّقةِ على جدار غرفة المعيشة، يلبس البزّة التي ما زالت عالقة في ذاكرتها.

أسرعت لاحتضانه وهي تصرخ فاتحة ذراعيها: “بابا.. بابا”

يلتفت إليها، ويجري نحوها مسرعاً، ويمسكها من تحت ذراعيها محتضناً جسدها الصغير، كما كان يفعل عند عودتها من المدرسة، لينهال عليها بقبلاته وكلماته الجميلة، التي ما زالت في ذاكرتها قبل اعتقاله، فهي الجميلة الرقيقة، ابنته البكر، النشيطة الذكية المتفوقة في مدرستها دائماً.

حضنته بشدّة متعلّقة به، فرائحة عطره كما كانت تشمها في غرفة نومه تملأ المكان، جلسوا على طاولة خشبية تُظلّها شجرةُ صنوبر ضخمة، كالتي جلسوا عليها عندما أخذهم في رحلة العام الماضي، وفي الجهة الأخرى جلست أمها وجدتها، وبدأ الجميع يتبادلون أطراف الحديث والحكايات، يأكلون الحلويات، كالتي صنعتها أمها وجدتها يوم عيد مولدها، ويشربون القهوة، وهي تستمع بسعادة لضحك الجميع، فقد اجتمعت العائلة كما كانت كل ليلة.

والآن، “جاء دورك يا حلا” قال أبوها.

أخبريني عن المدرسة، وما ترتيبك في الصف. أخبريني كل شيء…

لقد جاءَتْ مُستعدة، وأعدت قائمةً كتبتها بعباراتٍ صغيرة؛ كي لا تنسى شيئاً من عالمها الصغير، وستخبر والدها بكل شيء، فهنالك الكثير من الأخبار، فهي -كالعادة- الأولى في صفها، ولها صديقات كُثر، ومعلماتها يحببنها جداً، وتشارك في الإذاعة المدرسية، وتم اختيارها لفرقة الكشافة، ودفاترها مليئة بعبارات التشجيع، وملصقات النجوم لتفوقها، فهي تحب الرياضيات والأرقام.

ولكنّها ملّت (سندويشات) الزعتر، وحقيبتها فيها ثلاثة ثقوب، وزيُّ المدرسة باهت اللون، وحذاؤها تآكلت مقدمته، وأحيانا يدخل الماء منه وتتبلل أقدامها لكن لا تكترث، فقد اقترب العيد وستشتري آخرَ بدلاً منه. ولن تشترك في الكشافة لأنَّ مهلة التسجيل قد انتهت قبل أن تدفع أمها ثمن زي الكشافة.

أخوها عمر يأخذ بعض أغراضها المدرسية، ولكنها تسامحه كثيراً، فهو صغير، وتساعد أمها في مسح الغبار عن الأثاث، وأحياناً تقوم بترتيب الصحون، وتحضير الطعام، وتحب الذهاب إلى السوق لشراء بعض الأغراض، وليس كلها.

كان عندها عصفورٌ صغير، لونه أخضرَ موشَّح بالبياض، لكنّه طارَ بالأمس من القفص، فعندما سمعت عن الزيارة وعن السجن وقضبانه، تركت الباب مفتوحاً له، لأنها تذكرت والدها، فأشفقت عليه، وهي نادمة الآن، فوالدها لا يعيش بين القضبان.

وباغتت جسدها الصغير هزّة من أمها:

“أفيقي، سنعودُ إلى البيت، فالزيارة ممنوعة اليوم؛ لأنَّ الأسرى مضربون عن الطعام”

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق