منوعات

كمّامة

كُــلُّ شيء تغير في لحظة، فقد توقف أبي عن الذهاب إلى العمل في مصنع الطوب، وامتنع كذلك عن الذهاب إلى القهوة، ليس بإرادته، ولكنّها مغلقة لأمر حكومي طارئ، لازَمَ الرباط أمام شاشة التلفزيون بسرواله الأبيض، وفنجان القهوة أمامه وإبريق شاي الصباح، يتابع آخر التطورات من الناطق الرسمي، وجدّي اختار ساحةَ البيتِ، فهو يحب ضوء الشمس المتسرّب من مواربة الباب، ومراقبة المارة، يَـلُفُ سجائرِ “دخان الهيشة”، ويلصقها بتمرير لسانه على طرفها، وإخوتي الصغار يمارسون كل ألعابهم وشقاواتهم بين جدران غرفتهم، وأمي -كعادتها- في المطبخ تُـلملم بقايا الثلاجة؛ لتصنعَ لنا غداءً، وأكوامُ الطناجرِ والصحون تنتظرُ التنظيف، وهدير صوت الغسالة وارتجاجها يكمّمُ صوت التلفاز، ليصرخ أبي:

 (وقفي صوت الزفت)

فقد زاد عدد المصابين اليوم إلى مئتين، وقد مات واحد!

 كانت بداية كل ذلك يوم خميس، عندما كنتُ في المدرسة، وبعد أن أدينا تحية العلم، وأنشدنا “فدائي” تحدّث طلابٌ في طابور الصباح عن الخطر المتسلل بيننا، كثيرون يلبسون الكمّامة، وآخرون يفركون أيديهم بمادة هلامية يسمونها “الجل” لتعقيم أيديهم، وأنا بين كل ذلك في قلق كالآخرين، ولكن عندي أمنية، لماذا لستُ مثلهم؟

فهم يشبهون أبطال النينجا لمحاربة هذا الخطر، وأنا بينهم بلا سلاح لأدافع عن نفسي.

قلت في نفسي بصوت يكاد يكون مسموعاً بين ضجة وتمتمات الطلاب المسروقة بعيداً عن أعين المعلمين ومسمعهم:

(نفسي ألبس كمامة)

واسيت نفسي بعدها، يقولون إنها (مفقودة من السوق) وإلا لما تركني والدي دون واحدة.

دخلنا غرفة الصف، وقُرِعَ الجرسُ؛ لتبدأ حصةٌ تلو الأخرى، وفي كل حصة لا بدّ من الحديث عن الخطر والمرض والوقاية، حتى مللت الاستماع، فتكرار المعلومات نفسها من الصباح أصبح مملاً بعض الشيء، لقد اكتفيت من النصائح والتوجيهات.

إنني فقط بحاجة إلى كمامة لأحمي نفسي كالآخرين، وعلى الرغم من إجراءات الوقاية المعلنة، فما زلنا نشرب من نفس مياه صنبور المدرسة تِباعاً، ونستخدم بأعداد كبيرة المرحاض نفسه، ونتعارك في الصف، وصوت العطاس والسعال يأتي من كل اتجاه.

في حصة الفنون، وقد كانت الأخيرة، والملل سيد الموقف، طلب منا المعلم أنْ نرسمَ ما نراه مُناسباً حول الخطر، وجلس على كرسيه في زاوية الصف القريبة من الباب، هرباً من رائحة أنفاسنا المختلطة في الغرفة، وبدأ يتفقد جواله، ونحن بين متحدث بهمس مع زميله، وآخر معروف بجديته في الحصة، ويملكون أدوات للرسم، وأنا أتمعن في حديث زملائي عن الكمامات وأنواعها، وهم يتبادلون لبسها من حين لآخر!

“التجربة أكبر برهان” حسب رأي زميلنا صالح.

ومحمد عنده ثلاث كمامات في البيت.

وعبد العزيز يمتلك قناعاً واقياً من الغاز، كان يلبسه في المظاهرات؛ لتجنب الغاز المسيل للدموع.

وطلال يمتلك جِلاً وكمامة، وأيضاً كفوف اليدين، فأخوه يعمل ممرضاً في عيادة الوكالة.

يستعرضون مقتنياتهم من أدوات ووسائل الوقاية، بدلاً من استعراض ألعابهم، أو أنواع جوالاتهم الجديدة التي حصلوا عليها كما كان سابقاً، لقد تغير كل شيء في المدرسة.

بعد انتهاء دوام ذلك اليوم، وفي طريق عودتي إلى البيت، أمسكت بيد أخي الصغير -كالعادة-؛ لنعودَ سوياً، لأن زميلاً له اعتاد مضايقته ويسخر منه دائماً، لأن أخي كان يلبس نظارات سميكة، ويلقبونه بالأعمى؛ لكثرة تعثره بالطريق، “أعتقد أنه كان يتعثر لارتدائه حذاءً أكبر من مقاس قدمه دائماً”

دخلنا وسط المخيم، وتحتَ أسلاكِ الكهرباء المتشعّبَة في كل اتجاه، كأنها تنقلُ هُمومَنا من بيت لبيت وكل حارة، القهوةُ مُغلقةٌ بأمرٍ رسميٍ، ولكنَّ زوّارها يجلسون على السور المحيط بها، ويهرّب لهم عامل القهوة أكواب القهوة البلاستيكية من داخلها، وبائع الخضار، نقل دكانه إلى الرصيف المجاور مقابل المسجد المغلق، وصِياح الباعة في كل زقاق.

توقفنا متأملين على باب الصيدلية نُراقِبُ أنواعَ الكمامات وأسعارَها، فقد قررنا توفير مصروفنا؛ لنشتريَ كمامة نلبسها بالتناوب، واتفقنا على البدء من الأسبوع القادم.

لم نكن نعلم أنه ليس هناك أسبوع قادم، فقد تقرر إغلاق المدارس دون علمنا، سنبقى في البيت، حجر صحي، ممنوع الخروج، ممنوع العمل، ممنوع الزيارات والأعراس، وحتى دَفْـنُ الموتى تَغيّر، كل شيء توقف، حتى الزمن توقف بعدما اختُصِرَ الآذان. وتزوجت ابنة الجيران دون عرسٍ وحفل ساهر، وكانت تلبس كمامة.

زاد خوفي من فوضى الحياة، فوضى فوق فوضى المخيم، تُغْلَقُ الطُرقات، وتوضع عليها المتاريس الحجرية المزينة بالإطارات الملونة، تحوّل المخيم لسجنٍ كبير، فقد ضاقَ علينا أكثر، الخُروجُ للعبِ مُخاطرة، ومعانقة أمي كذلك مخاطرة! ما نَلمَسه خَطراً.

صمتت الكلمات في كُلِّ المُخيم، وتبعثرت الحياةُ مساءً عن الشوارع، سوى من بعض اللامباليين، وتبقى بعض الأضواء حتى الصباح؛ لتحكي حكاية البيوت، فبعضها طبعته حالة من السهر واللعب، والأخرى اختصرت سهراتها بكلمات بائسة تختصر حال أصحابها:” كورونا ومساعدات، وكرتونة!”

والدي يزداد توتراً، ليس من المرض المحيط بأنفاسنا، بل سمعته يقول لأمي: ” من وين بدي أطعميهم؟”

وأمي تشدُّ من أزره كعادتها، فالصبر طبعها، الله لن ينسانا، عندنا بقايا طحين، والأرز فيه كفاية، والعدس رخيص…

وجدي لا يدرك ما يحيط بنا من أحداث، فهو يطالب بحصته الأسبوعية من “دُخان الهيشة”، فقد قارب ما لديه على الانتهاء.

 وأنا وأخي “نريد كمامة”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رائعة ومعبرة من الرائع غنام غنام، استطاع أن يقرب من خلف هذه القصة واقعا مريرا لطفل حلم بكمامة، وأراد أن يلبسها مثل أصدقائه، وخطر الفايروس الذي يعانقهم، فهو لم يخف من الفايروس، كل ما أراده أن يلبس كمامة ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق