إشراقات سياسية

كيف ننصر الأسرى؟!

على مدار عشرات الأعوام والاحتلال الإسرائيلي يُذيق الأسرى في سجونه المنتشرة في فلسطين المحتلة أصناف العذاب، ويرتكب بحقهم كل جريمة، أمام صمت دولي مُطبق، وكأنهم وقعوا اتفاقًا على السكوت.

وتمر ذكرى يوم الأسير الفلسطيني، هذا العام، بشيء مختلف عن كل عام، وقد ارتفعت مستويات الخطورة على حياتهم وأوضاعهم الصحية، لا سيما مع انتشار فايروس “كورونا” المُستجد في دول العالم كافة ومنها كيان الاحتلال.

ويوم الأسير (تاريخيًا) يصادف إطلاق سراح أول أسير فلسطيني محمود بكر حجازي؛ 17 نيسان/ أبريل 1974 في أولى عمليات تبادل الأسرى بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي.

وأقر تلك المناسبة المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974، خلال دورته العادية، واعتباره يوماً لتوحيد الجهود والفعاليات لنصرتهم، ودعم حقهم المشروع بالحرية، كـ “يوم وطني وعالمي” لنصرة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

وقد وضعت إدارة السجون حياة 5 آلاف أسير فلسطيني في خطر شديد من انتقال الفايروس إليهم، خاصة في ظل الظروف الصحية غير الملائمة داخل السجون، وبالتزامن مع سياسة الإهمال الطبي المتعمدة التي تنتهجها سلطات الاحتلال كـ “وسيلة” للانتقام من الأسرى وقلتهم ببطء.

ويبلغ عدد الأسرى المرضى قرابة الـ 700 أسير منهم 300 حالة مرضية مزمنة بحاجة لعلاج مستمر، وعلى الأقل هناك 10 حالات لأسرى مصابين بالسرطان وبأورام بدرجات متفاوتة.

والخميس، ذكرت مؤسسات تُعنى بشؤون الأسرى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة قد بلغ 222 شهيداً، وذلك منذ عام 1967، بالإضافة إلى مئات من الأسرى اُستشهدوا بعد تحررهم متأثرين بأمراض ورثوها من السجون.

وأوضحت أن عدد الأسرى الذين قلتهم الاحتلال نتيجة لسياسة القتل الطبي البطيء عبر إجراءات الإهمال الطبي المتعمد وهي جزء من سياسة ثابتة وممنهجة، وصل إلى 67 وذلك منذ عام 1967.

وخلال العام الماضي (2019) ارتقى 5 أسرى شهداء داخل السجون جراء الإهمال الطبي، والتعذيب وهم: فارس بارود، عمر عوني يونس، نصار طقاطقة، بسام السايح، وسامي أبو دياك.

وسط كل تلك المعطيات وما يرشح من أخبار “شحيحة” من داخل سجون الاحتلال يبرز السؤال المُلح دومًا، ماذا فعلنا نُصرة للأسرى؟! وكيف سنُنقذ حياتهم التي يتهددها الخطر كل يوم؟!.

تتجه الأنظار دومًا، وتحديدًا في هذه الفترة، إلى المقاومة (الدرع الحامي والسد المنيع) لكي يكون لها دور في حماية الأسرى، لا سيما وأنها قالت مرارًا وتكرارًا إن تحرير الأسرى من سجون الاحتلال على سلم أولوياتها.

بينما تكتفي جُل المؤسسات، وحتى بعض الفصائل الفلسطينية، ببيانات تشجب وتستنكر ما يحدث بحق الأسرى من انتهاكات واعتداءات، يجب على المقاومة أن يكون لها الكلمة الفصل وأن تبتعد عن كلام البيانات إلى واقع الفعل؛ لأن لها ولديها ما يأتينا بالخبر السار ويُؤلم الاحتلال.

أجزم أن شعبنا بات كـ “طالب الثانوية العامة”، فيما يخص المناسبات الوطنية لا سيما يوم الأسير أو أي حدث يتعلق بالأسرى في سجون الاحتلال. في كل بيان تُذكرنا المؤسسات بـ “اتفاقيات جنيف لعام 1949″، وأن سلطات الاحتلال تنتهك حقوق الأسرى الصحية التي كفلتها اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة.

نعي جيدًا أن سياسة الإهمال الطبي والمماطلة بتقديم العلاج للأسرى واستخدامهم حقلاً لتجارب الأدوية، تخالف نص المادة (76) من اتفاقية جنيف الرابعة ونص المادتين (13 و31) من اتفاقية جنيف الثالثة.

وأن عدم وجود غرف عزل للأسرى المرضى المصابين بأمراض معدية، والازدحام الشديد داخل السجون تخالف نصوص المواد (81،85) من اتفاقية جنيف الرابعة، فيما توجب المادة (109) من اتفاقية جنيف الثالثة على الدولة الآسرة الإفراج عن الأسرى المصابين بأمراض خطيرة والمصابين بجراح خطرة.

ولكن السؤال المُلح دومًا، ماذا نفعل بكل تلك الاتفاقيات إن لم تستغلها المؤسسات والفصائل (سياسيًا وحقوقيًا) عبر تدويل قضية الأسرى ووضعها دومًا على مائدة الحوارات والنقاش الدائم في المحافل الدولية؛ لا سيما الحقوقية والإنسانية؟!

نُصرة الأسرى، ولو بالقلم، واجبة على كل فلسطيني حرّ، وسط ما آلت إليه أوضاع الأسرى، وتحديدًا منذ عام 2005؛ والذي كان بداية الانقسام الفلسطيني وصرف نظر المواطن إلى قضايا الانتخابات والتمثيل السياسي الذي انفجر مع تعمق الأزمة في منتصف حزيران/ يونيو 2007.

ولعلّ أبرز العوامل التي أضعفت موقف الحركة الوطنية الفلسطينية في سجون الاحتلال، هي استمرار الانقسام الداخلي وفصل الأسرى في السجون منذ قرابة الـ 12 عامًا. يُضاف لذلك ضعف وتدني مستوى نصرة الأسرى شعبيًا ورسميًا على الساحة الفلسطينية، بالإضافة طبعًا لغياب قضية الأسرى عن مختلف أجندات الفصائل وهبوطها في سلم ترتيب الأولويات.

كثيرة، ولكن يُصار إلى حصرها والعمل عليها لإنهائها، تلك العوامل التي أوجدت الوهن في جسد الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال، لا سيما أفول النُصرة الشعبية والرسمية لقضية الأسرى وضعفها، والتي تُعتبر من ثوابت القضية الفلسطينية العادلة، بسبب استمرار الانقسام السياسي والذي ترك تبعات ثقيلة ومرهقة على كاهل المواطن.

أزمة الأسرى في سجون الاحتلال، بدأت بشكل فعلي منذ عام 1967 مع استداد الاعتداءات العنصرية بحق الأسرى في سجون الاحتلال، واكتملت فصول تلك الأزمة مع تشريع برلمان الاحتلال (الكنيست) القوانين العنصرية التي استهدفت حياة ومعيشة الأسرى؛ لا سيما تلك المتعلقة بسحب الإنجازات التي حققها الأسرى على مدار عشرات السنين.

تطرقت العديد من وسائل الإعلام لتلك التشريعات العنصرية، والتي تنم عن حقد دفين يضمره الاحتلال في أعماقه النازية الفاشية منذ ما قبل احتلال عصاباته لأرض فلسطين التاريخية عام 1948، ولعل إعادة ذكر تلك التشريعات تُحرك شيئًا من الواقع فينا.

فقد صادق برلمان الاحتلال يوم 10 ديسمبر 2018، بالقراءة الأولى، على مشروع القانون الذي يمنع الإفراج المبكر عن أسرى فلسطينيين من سجون الاحتلال.

وينص القانون على منع الإفراج المبكر والمشروط عن الأسرى الفلسطينيين، كما يمنع تخفيض ثلث المحكومية عنهم. ويشمل مشروع القانون الأسرى الفلسطينيين المتهمين بالشروع في القتل والقتل بموجب قانون “مكافحة الإرهاب” الإسرائيلي.

وقد شكّل وزير “الأمن الداخلي” الإسرائيلي جلعاد أردان، في تشرين أول/ أكتوبر 2018، لجنة مكوّنة من أعضاء في البرلمان وعناصر من جهاز المخابرات “شاباك” وإدارة السجون الإسرائيلية “شاباص”، تكون مهمتها تحديد ظروف اعتقال الأسرى الفلسطينيين والتضييق عليهم.

وصادق البرلمان الإسرائيلي، مساء 03 يناير 2018، بالقراءة التمهيدية، على “قانون إعدام” الفلسطينيين منفذي العمليات، التي تؤدي لمقتل إسرائيليين سواء أكانوا جنودًا أو مستوطنين.

وصوّت لصالح مشروع القانون؛ الذي تقدم به حزب “إسرائيل بيتنا” بزعامة وزير حرب الاحتلال السابق أفيغدور ليبرمان، 52 نائبًا في الكنيست، فيما عارضه 49 عضوًا.

وينص القانون على السماح لمحاكم الاحتلال العسكرية في الضفة الغربية بإصدار قرارات أحكام تقضي بإعدام منفذي العمليات من الأسرى دون الحاجة لإجماع من قضاة المحكمة وبـ “أغلبية قاضيين فقط”.

وشرّع برلمان الاحتلال قانون التغذية القسرية للأسرى المضربين عن الطعام خلال العام 2015. كما صادق على قانون تشديد العقوبة على راشقي الحجارة وإلزام المحاكم بضرورة الحكم عليهم كحد أدنى عامين وحد أقصى أربعة أعوام، وصادق بالقراءة الأولى على مشروع قانون يسمح بإنزال عقوبة الحبس الفعلي على الأطفال الفلسطينيين دون (14 عاماً).

كما شهد العام 2016 تشريع الاحتلال اعتقال الفلسطينيين على خلفية نشر آراء وصور على وسائل التواصل الاجتماعي، واعتقل واستدعى العديد من المواطنين ضمن هذا الإطار، وفرض على عدد منهم الاعتقال الإداري.

الحرب الإسرائيلية على الأسرى وقضيتهم، التي تمثّلت بجملة من الإجراءات المخالفة للقانون الدولي والأعراف المجتمعية، أظهرت أن الأسرى باتوا وحدهم في المعركة حاليًا، إلا من فعاليات نصرة محدودة يغيب في معظمها شرائح هامة من الشعب الفلسطيني.

كل ما سبق من تشريعات عنصرية “صهيونية” تضعنا وتُجبرنا كـ “فلسطينيين” أصحاب حق ولدينا ثابت أساسي في قضيتنا العادلة هو الأسرى والمقاومة، أن ندافع عن الأسرى ونبحث عن حلول لنصرتهم.

ينتظر نصرتنا في سجون الاحتلال أسرى مضى على اعتقالهم أكثر من 30 عامًا، وينتظرنا أمهات وفتيات وأسرى أطفال وينتظر نصرتنا، ولو بالقليل، معتقلون إداريون لا يعلمون من اعتقالهم إلا تاريخه.

كيف ننصر الأسرى إذن؟!؛ أولًا علينا بالوحدة ورصّ الصفوف كي نكون كـ “درع” لا يُخترق ويأتي تباعًا خطوات نصرة الأسرى شعبيًا، ومن ثم فإن المجتمع الدولي كفل لنا كـ “شعب” يعيش تحت الاحتلال حق المقاومة والذي اتفقت الفصائل على شكله وفعاليات تنفيذه في عديد الاتفاقيات وبمختلف العواصم العربية والغربية.

نعمل على صوغ استراتيجية وطنية موحدة، تجمع بين أشكال العمل الرسمي والشعبي، بما يضع قضية الأسرى وحقوقهم في واجهة النضال الفلسطيني المشروع على مختلف الصعد الدولية والإقليمية، نصرة لقضيتهم وحقهم في الحرية.

ننصر أسرانا بأن نُعير أهلم الاهتمام الذي تستحقه تلك العائلات التي خرج أبناؤها يُقاتلون دفاعًا عن حلم لطالما سعى الكل الفلسطيني لتحقيقه وبُذلت في سبيله كل غالية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق