تحليل سياسيتدوينات

الجائحة و جَيشُ أَفكارِ العَوامْ

في عام 1347 للميلاد كانت جيوش الإمبراطورية المغولية تجتاح أراضيَ اَسيا و أوروبا مُسقطةً كل الإماراتِ و الممالكِ في تلك البقاع, وصلت غزواتُ المغول لمدينة CAVAكافا في جزيرة القِرم جنوب أوكرانيا و فرضوا عليها الحصارَ عاماً كاملاً حتى أنهك جيشهم و حاصرهم الطقس و تساقط الثلوج و انتشار وباء الطاعون الأسود, الذي تذكر المصادر التاريخية أنهم من جلبوه معهم من وسط اَسيا لتلك المنطقة, بعد فشل الحصار و قرار قائد جيوش المغول بالانسحاب مرتدين عن أسوار المدينة الحصينة, كان يستشيط غضباً من هزيمته و عدم قدرته على تدمير المدينة و احتلالها, فقام بوضع جثثِ جنوده الذين ماتوا بالطاعون (وكانوا بالآلاف) على مقاليع المنجنيق و قذف المدينة المنتصرة بتلك الجثث لتترامى على سور المدينة و في أسواقها و فوق أراضيها.

وبعد عدة أيامٍ من ذلك, احتفل أهالي المدينة المساكين في الساحة الكبرى أمام قصر الملك بالرقص و الغناء فرحاً بالانتصار و قد أكرم الملك جميع الحضور بموائد الخمر و لحم الخنزير المقدد ( الذي كان يعتبر صنفاً فاخراً من اللحم في شرق أوروبا وقتها ) حتى بدأ الحضور يتساقطون أرضاً من الإعياءِ المفاجئ و بلا سبب… كان قد انتشر في المدينة الطاعون !

وفي نفس تلك الليلة الباردةَ جهز مجموعة من البحارة الإيطاليين الذين كانوا في زيارة دبلوماسية للمدينة المحاصرة سفينتهم للإبحار هرباً من الوباء المنتشر و ما إنْ وصلوا إلى جزيرة صقلية الإيطالية حتى أدركوا أنهم حملوا الوباء معهم (ليس أنهم حملوه في أجسادهم بل لأنهم أخذو مؤنتهم و بضاعتهم معهم و قد لامسها مسببو العدوى في المدينة ) قاطعينَ بها اَلاف الأميال عبر البحر لتبدأ حِقبةً من أصعب الحِقَبِ التاريخيةِ التي مرت على أوروبا و التي خلفت أكثر من 200 مليون قتيل في شتى البِقاع.

إن أي تغييرٍ كبيرٍ و مفاجئ قد يطرأ على أحوال الناس يمكنُ بالتأكيد أن يتم استغلاله من أصحاب المصالح المختلفة صُدفةً دون تخطيطٍ أو يدٍ لهم في إحداث التغيير المذكور , فعلى سبيل المثال لا الحَصر عندما أعلنت العراق الحرب على دولة الكويت مَطلعَ حرب الخليج اَنذلك, تشكلت عصابة محلية من اللصوص و المحتالين خططت لتنظيم عمليات سطوٍ و سرقة للبنوك و الصرَّافات الاَلية في مدن الكويت تزامناً مع تزعزع الأمن و انسحاب قوات الشرطة من المدن , فعندما تم القبض عليهم بعد انتهاء الحرب تم اتهامهم في المحاكم الكويتية بالخيانة و التعاون مع القوات العراقية الغازية , رغم أنهم لم يكونوا على تواصل مع العراقيين ولم يكونوا عملاءً لهم ولكن استغلالهم للحالة الأمنية وجه لهم أصابع الاتهام بأنهم لهم دورٌ في احتلال الكويت ولو كانَ بسيطاً .

قد يكون المثال الأخير غير واضحٍ تماماً, لكن التفكير البدائي عند الإنسان والذي لا يستند إلى قواعد المنطق قد يجعلنا نتهم هؤلاء اللصوص أنهم مثلاً السبب الوحيد لغزو الكويت! لأنهم يريدون للأمن أن يتزعزع من أجل أن يسرقوا بضعة اَلافٍ من الدولارات قد تكونَ تكلفة الحرب أكثر منها, فَقد يحدث أن يعتقد كثيرون تحت تأثير العاطفة أو البساطة بأن أي حدثٍ عالمي هو أمر يستهدفهم سواء من قريبٍ أو بعيد و أن العالم مقسومٌ لناسٍ يؤيدون الحق و ناسٍ يؤيدون الباطل وهم في حربٍ دائمةْ وهذا ما يحدث تماماً في عقولِ مصدقي نظرية المؤامرة .

لتقريب الأمر أكثر و للفهم , تَخيل نفسك راكباً في سيارة للأجرة ذاهباً من وسط مدينة بيت لحم للقدس و كعادة سائقي السيارات العمومية و سيارات الأجرة سوف يحصل تجاذبُ للنقاش بينك وبين السائق رغم أنك لا تعرفه من قبل , فيقول لك هذا السائق بأن أمريكا و إسرائيل قد نشرت هذا الوباء من أجل أن تُغلق المساجد و تبعدنا عن ديننا و على رأسها المسجد الأقصى فيتسنى للمستوطنين اقتحامه بعد إفراغه من رواده و محبيه بإرادتهم من أجل تسهيل احتلاله و هدمه و بناء هيكل سليمان اليهودي مكانه , سيكون عقلُ سائق سيارة الأجرة مرتاحاً لهذا التفسير رغم أنه لا يعتمد على أي قاعدة منطقية في فحواه و كينونته , لكنه تفسيرٌ يتفق مع فكرة أن العالم هو في حرب دائمة بين الحق و الباطل لذلك تجد الكثير من الناس البسطاء يرتاحون لمثل هذه الأفكار .

صحيحٌ أن هذه الأمثلة قد تبدو مضحكة و قد يبدو من البعيد جداً على القارئ الكريم أن يقع في مثل هذه الأفكار السخيفة , لكنني ذكرت هذا المثال البسيط لتقريب الفهم لا أكثر فتخيل بأن لهذه المغالطات شكلاً اَخر أكثر تعقيداً نقع فيه كل يومٍ دون أن نشعر! فالمغالطات هذه تكون أحياناً خادعة و قد تبدوا أفكاراً واقعيةً للوهلة الأولى و قد تجد علماءً و خريجي شهاداتٍ عليا قد وقعوا فيها في حواراتهم و مقالاتهم أو كتاباتهم المختلفة ! إن أكبر مغالطةٍ تملك جيشاً من المُصدقينْ لا يٌستهانُ بعددهِ و حجم غطائهِ الإعلامي و المد الجارف من المتداولين لها هي نظرية المؤامرة في جائحة كورونا المستجد.

من المعروف عند علماء الاستراتيجيات العسكرية أن أي عمليةٍ عسكرية أو ضربةٍ بسلاحٍ ما على عدوٍ ما يجب أن تكونَ محسوبة التكلفة و محسوبة الأضرار التي ستنجم عنها , و أن تكون المنافع التي سيتم جنيها و الحصول عليها أكبر من ما سيتم إنفاقه و المخاطرة به في هذه العملية فعلى سبيل المثال أنت لن تخاطر بحياتك و تقفز فوق فوهة نارٍ مشتعلة من أجل أن تلتقط مفتاح غرفتك الذي نسيته على الطرف الاَخر وذلك لأنك ببساطة لن تخاطر بحياتك التي لن يمكنك استعادتها من أجل مفتاح بيتك الذي يمكنك كسر الباب لدخوله إن اقتضى الأمر, بينما لو لم يكن هناك بينك و بين المفتاح أي خطر لقمت بكل بساطة بالعودة و التقاطه كي لا تضطر لكسر باب بيتك من أجل الدخول , فبالتالي لن يقوم أي عاقلٍ يضع مصلحته أولاً بفعلٍ خاسرٍ يحوي تكاليفاً و مخاطر أكبر من المنافع المرجوة من الفعل نفسه هذا ما يجب أن نطبقه على نظرية المؤامرة في جائحة كورونا المستجد أي بلغة أوضح لا يمكن إطلاقاً أن يكون أي طرفٍ بشري سواءً كان دولةً أو مؤسسة أو فرداً أن يكون وراء انتشار هذا الوباء أو تطوير هكذا فايروس مجهري فتاك وذلك لأن القاعدة المنطقية الأخيرة تفيدُ بأن الخسائر ستكون أضعافاً مضاعفة مقارنة مع ما سيتم جنيه و الاستفادة منه في حال كان انتشار الفايروس لتحقيق مصلحةٍ معينة لجهةٍ معينةْ.

ولكن للواقع و المنطق فإن منهجية دحضِ و نفي مثل هذه الفرضيات لا تكون بالعمومية هذه التي فهمناها حتى الاَن إنما تكون بنقاش تفاصيل الفرضيات الخاصة بالمؤامرة بما لا يدعُ مجالاً للتفكير بها عند القارئ الكريم .

إن أبرز الاتهامات من مصدقي نظرية المؤامرة تتجه في عدة منحنياتْ

أولاً لدينا منحنى المصدقين بأن الولايات المتحدة الأمريكية و جهاز CIA المسؤول عن الأمن القومي الأمريكي في الخارج هو وراء تطوير هذا الفايروس و زرعه في سوق الأسماك و الحيوانات البرية في مدينة وهان بمقاطعة هوباي وسط الصين وذلك بهدف ضرب سوق التجارة الصينية الذي اكتسح العالم و تفوق على التجارة الأمريكية في أنحاء العالم و قد كانت تعلم الCIA باحتمال انتشاره في أنحاء العالم كما يحدث اليوم أو ربما لم يكن قد حُسب له أو لم يكن بالحسبان لديهم أن ينتشر بهذا الشكل حتى تتربع الولايات المتحدة على المرتبة الأولى في أعداد المصابين و المركز الأول في الدولة المتضررة اقتصاديا بسبب هذه الجائحة.

إنَّ هذه الفرضية كانت لتكون واقعية حيث أنه من الممكن جداً أن يكون الهدف ضرب الصين و أنه لم يكن من المتوقع أن يصل الفايروس لأمريكا و باقي دول العالم و قد وصل بالخطأ وهكذا يبدو مقنعاً لولا وجود نقطة واحدة تقتل هذه الفرضية ألا وهي… أين العلاج ؟

إن حدوث فقدانٍ للسيطرة على انتشار فايروس على فرض أن انتشاره كان ضمن مخطط معين و مدروس قامت بتطويره مراكز تخطيط و مختبرات أمريكية لأهداف سياسية ما , الأحرى و يفترض بمن طوره أن يكون قد اخترع علاجاً أو تطعيماً أو لقاحاً يُستخدم في حال فقدان السيطرة أو فشلٍ مُحتمل للمهمة أو حدوث خطرٍ لمنفذي المهمة من الخبراء أنفسهم , كان يُفترض بهذا العلاج أن يكون قد خرج الاَن أو من وقتٍ قريب بعد ازدياد الضحايا الأمريكيين أنفسهم من هذا الوباء فلو كانوا هم من طوروه و أنتجوه أو تسببوا بانتشاره, لماذا لا يُخرجون العلاج للعالم بعد أن أصبح ثُلثُ المصابين به من تعداد سكان العالم في بلادهم و أصبحوا أكبر المتضررين اليوم من تبعاته وفق جميع الإحصائيات و الأرقام و الإثباتات.

فما يَنفي هذه النظرية نفياً قاطعاً هي نفس القاعدة المنطقية السابقة بأن الأضرار و المخاطر أكبر بأضعافٍ من المنافع في حالِ لو كان من صنع مختبرات أمريكية .

وكذلك فإن هذا يُطبق على فرضية إتهام الصين نفسها بتطوير الفايروس و أن تسريباً حدث بشكلٍ غيرِ مقصودْ من المختبرات المختصة في مدينة وهان لينتقل للناس , ولكن الأبحاث البيولوجية لصناعة و تطوير أي سلاحٍ بيولوجي تمر بعدة مراحل يضمن ترتيب هذه المراحل السليم إتمام صنع سلاحٍ بيولوجي مع مضادٍ له وأن تحتفظ بالأخير لاحتياطاتٍ قد تطرأ في المستقبل بعد استخدام السلاح.

ولا يمكن أن تكون مختبراتُ مختصة قد صنعت و طورت فيروساً فتاكاً ينتشر بسرعة فائقة جدا بين المخالطين دون وجود المضاد له جاهزاً قبل تجهيز نموذجٍ أولي للفايروس و إن كان قد تم التسريب فرضاً قبل أن يتم اختراع المضاد له فإن تلك المختبرات ستملك على الأقل كماً هائلاً و مفيداً من المعلومات عن الفايروس و طريقة صناعة مضادٍ له و أن تكمل هذه المعلومات جهود صنع العلاج فيما بعد!

فجميعنا متضررون و جميع فئات المكون البشري من دولٍ و مؤسساتٍ و أفراد متضررة إن بعض الأفكار عن هذا الوباء و أصله و خلفيته الحيوية رغم أنها غير صحيحة قد تكون مثيرة و ملفتة ومن الأجمل و المشوق أكثر أن نعتقدها و نتداولها ، فليس من الجميل مثلاً أن نعرف معلومة أن هذا الفايروس تَشَكل عن تطورٍ معينْ أو عن طفراتٍ طبيعيةٍ حدثت بفعل وجوده داخل بعض انواع الحيوانات قبل أن ينتقل للانسان لكن من الجميل و المشوق مثلاً أن ننشر بيننا أن هذا الفايروس هو من صنع مختبراتٍ متطورة سرية لأحد الدول الكبرى و قد أطلقوه على الناس لهدفٍ ما .

لتكونَ ناجحاً في أي أمر عليك دائماً أن تكون واقعياً , الواقعية هي ما يساعد الإنسان على اتخاذ القرارات و تحديد ما يعتقدهُ وما يريده , نعم فمن المؤكد إعتبار النهج الواقعي نهجاً مضاداً لعاطفة التشويق و الإثارة فقد يكون الواقع غير مشوق و غير مثيرْ و قد تكون الحقائق الواقعية غير مشوقة أو جذابة , ولكنه الواقع و هي الحقائق أي ما ستعيشه وما ستراه وما أنت مُجبرٌ على إعتباره .

إن جائحة كورونا المستجد هي كارثة إنسانية وهي امتدادٌ لكوارثَ إنسانية تمثلت بأوبئة عديدةٍ انتشرت في القرون القديمة يعتبرها الملحدون و اللّادينيون خطاً طبيعياً في عشوائية الحياة على كوكب الأرض و نفحاتِ قسوة من الطبيعة نزداد عليها علماً و تطوراً, و يقول المتدينون بأن هذا قدرٌ من أقدار الله شأنه شأن جميع أقداره سبحانه على مر الزمان ولعل لنا خيراً كأمةٍ إنسانية من هذه المعركة مع هذا الوباء و أن ندرك ضعفنا في هذا الكون الكبير و لندرك ضعفنا أكثر أبتلانا الله بمصدقي الخرافات بيننا و مشتتي جهود معركتنا هذه.

في عام 767 للميلاد أرسل ملك مملكة ليون الصليبية في شمال أراضي إسبانيا رسالة إلى ملك الأندلس في مدينة قرطبة يطلب منه المساعدة و الإغاثة لشعب مملكته الذي اجتاحه مرضٌ مجهول كان يودي بحياة الاَلاف كل يوم و كانت الكنيسة الكاثوليكية قد نشرت بياناً للعوام بأن يسوع المسيح قد غضب على أهل هذه المملكة و قذف فيهم الأمراض لأن ملكهم الذي كانَ حليفاً للمسلمين في مملكة الأندلس هو خائن للمسيحية و هو يريد تسليم الأرض للمسلمين و يجب خَلعهْ , حينما فتح ملك الأندلس الرسالة كان مضمونُها بأن الملك المسيحي ذاك سمع بأن العرب متفوقون في الطب و أنهم يصنعون المعجزات في أجساد المرضى كالمسيح الذي يُذكر في الكتاب المقدس أنه كان يشفي مرضى الجُذام و البَرص وهو مرضٌ جلديٌ لا علاج له , فأرسل له ملك الأندلس عدداً من الأطباء البارعين في مجال الباطنية في مدارس الطب في مدينة قرطبة , حيثُ كانوا يعلمون الرهبان كيف يستخدمون الليمون و الأحماض لقتل المجهريات التي تُسبب الموت في أمعاء المرضى و المصابين و كان جهدهم مُنصباً في الأغلب على إقناع الرهبان بأن المرض ليس شيطاناُ يتلبس الإنسان حينما يعصي الرب !

فقد كان الأوروبيون غارقين بالخرافات وكنا نحن رواد العلم حتى جارَ الزمان علينا و أصبحنا متداولي خرافاتٍ و إشاعاتْ و أصبحنا ننتظر من أحفاد هؤلاء الرهبانَ أن يخترعوا علاجاً لوباء الحاضر بعد فشلهم في وباء الماضي !

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق