قصة قصيرة

بين الزيتون والغرقد

فقيرةٌ جداً كانت تلك العائلة، حالها حال كثير من الأسر التي عاشت في المخيم… في أولى النكبات فقدت كل ما ملكت من أرض، وهُجرت قسراً لمناطق أخرى أكثر أمناً داخل الوطن هرباً مما كان ينتظرها من قتل واغتصاب من الغزاة المعتدين… وفي النكبة الثانية أو لنسميها كما سماها الجميع النكسة…

من هنا بدأت الحكاية…

هذا إن استطعنا القول أنها لم تبدأ بعد… ثماني عشرة سنة عجاف مرت منذ احتُل الجزء الأول من الأرض وقُسمت بموجب وعود وقرارات من قِبل من لا يملك لمن لا يستحق… ليصبح هناك في ديارنا مناطق محتلة في الــــ 48، ومناطق أخرى تسمى باحتلال الـــ 67…

وجد نفسه يعيش في بيت صغير ضيق، سقفه من الصفيح (الزينكو)، في منطقة مكتظة جداً، منذ طفولته كان يسمعهم يسمونها مخيم… البيوت فيه متلاصقة جداً ولا يوجد فيه غير الشارع الرئيسي الذي يمر من منتصفه فيقسمه قسمين، إنما هي ممرات ضيقة بالكاد تتسع لمرور شخص واحد بحرية…

سمع كثيراً من والديه وجده ومن يحيطون به من الجيران وباقي أهل المخيم كيف فرُّوا بأرواحهم من بيار عدس وكفر سابا ويازور وطيرة دندن واللد والرملة والجورة ودير ياسين وأبو شوشة والطيبة وغيرها الكثير من القرى والمدن، بعد تعرض الكثير منهم للأذى من مجازر وحرق وتدمير واغتصاب للنساء الذي كان الغزاة المحتلون يمارسونه على كل منطقة يصلون إليها.

كانت قصص الوطن المسلوب والقرى والمدن الرائعة الجمال التي تركوها خلفهم وأحلام العودة هي الأحاديث الأكثر تداولاً بين أهل المخيم سمعها الصغير مرات ومرات…

وحفظها حتى أصبحت جزءاً منه…وكان يرى كيف يتعامل أهل المخيم مع الفقر المدقع وضيق العيش الذي كان سمة الجميع هناك، فقد كانوا يواجهونه بحديثهم الدائم أن البقاء هنا لن يطول، فما هي إلا فترة قصيرة وسيعود كلٌ إلى مكانه الذي قدِم منه…

فالتشرد واللجوء وأحلام العودة وحكايات الوطن السليب كانت هي العوامل المشتركة التي تجمع أهل المخيم، فهم قلما كانوا أقرباء تربطهم صلات الدم…

فكل منهم قد لجأ من منطقة مختلفة، ليجمع شملهم المخيم ويحتضن آلامهم وآمالهم. المخيم… باتت هذه الكلمة تشعره بأنه يعيش الآن مرحلة مؤقتة من حياته، فقريتهم “قنير” القريبة من حيفا، تنتظر عودتهم، ليقتلعوا الغرقد العابر من أرضها ويزرعوا التين والزيتون واللوز والزعتر في ثراها ليعيدوا الحياة إليها…

الصغير “عودة” الذي يحمل في ثنايا اسمه حلم العودة لقريتهم التي يعرفها تمام المعرفة من حكايات الذين عاشوا في القرية، فكان كأنه ولد ونشأ فيها… فبيتهم وساحته وعدد الأشجار في حديقتهم يعرفها جيداً، ويعرف أيضاً الطرق الموجودة في القرية وإلى أين تؤدي كل منها، ويعرف أسماء الجيران وأبناء البلد؛ بل يعرف كل التفاصيل الدقيقة عنها…

حتى مفتاح البيت لا زال جده يحتفظ به في صندوق الأشياء الثمينة التي يمتلكها.

في الخامسة من عمره أحضر له جده هدية… كانت زيتونة صغيرة… طلب منه أن يغرسها على باب بيتهم ويعتني بها… لأن الزيتون جزء من حياتهم… فما كان من عودة إلا أن أحضر برميلاً كبيراً وعمل بجد ليملأه تراباً وزرع فيه الزيتونة أمام باب البيت.

استغرب جده، وسأله عن سبب زراعته لها في برميل وليس في الأرض فجذور الزيتون عميقة وتحتاج لأن تنغرس في الأرض، والبرميل لا يصلح لاحتواء تلك الجذور… أجاب عودة: هذه الزيتونة عزيزة عليَّ لأنها هديتك يا جدي، وإذا زرعتها في الأرض هنا كيف لي أن آخذها إلى قنير عندما أعود إليها وأزرعها فيها… ضحك الجد وانسابت دموعه غصباً عنه على وجنتيه الغائرتين المجعدتين اللتين ترك الزمن واللجوء آثارهما عليهما… وغاص في صمت عميق ولم يستطع قول شيء لحفيده… كبر عودة وكبرت زيتونته… حتى ضاقت بها الطريق الصغيرة التي تسمح للمارة بالعبور من أمام بيتهم إلى المناطق الأخرى في المخيم… وبدأ التذمر يعلو والشكاوي ترتفع… حتى طلب أحد الجيران بصراحة من الجد قطع الشجرة أو اقتلاعها وإزالتها من الطريق…

ضاقت الدنيا في ناظري عودة، الذي أصبح صبياً يافعاً أقوى بكثير من ذي قبل، بعد سماعه لهذا الكلام… وفر من مصروفه مبلغاً صغيراً من المال استطاع به شراء حمار… وبمساعدة أصدقائه استطاع حمل الزيتونة من أمام بيتهم إلى الشارع الوحيد في المخيم وحملها على عربة صغيرة يجرها الحمار صنعها بنفسه خصيصاً لهذا الغرض، وانطلق بزيتونته بعد وداع الأصدقاء ودعواتهم له بالتوفيق إلى المناطق الغربية التي ستؤدي به في النهاية إلى قريتهم قنير…

توقف عدة مرات خلال رحلته ليريح الحمار ويطعمه، ويأكل هو أيضاً ما يتوفر له من ثمار يجدها في طريقه… بعد يوم ونصف من الرحيل، استطاع أن يصل إلى منطقة غلب عليه الظن أن تكون هي قنير قرية الأحلام… فالقرية تقع على تلة يقابلها من الجهة الغربية تلة صخرية ضخمة تنساب من بين صخورها الجنوبية عين ماء يسقط ماؤها أرضاً كشلال… ربط الحمار في مكان قرب التلة الصخرية وحل العربة عنه ليستريح ووضع الزيتونة أرضاً… واقترب من القرية متفحصاً… ها هي ذي جميع العلامات التي تميز قنير والطريق إليها… وجدها الواحدة تلو الأخرى…

ولكنه عندما اقترب أكثر وجد أنها ليست هي القرية التي حدثوه عنها ووصفوا له تفاصيلها… فلم يتبق منها سوى بقايا أكوام كبيرة من الحجارة التي كانت في يوم من الأيام بيوت سكنها أهله وأقاربه… ومستعمرات ضخمة من الصبار الذي كانوا يزرعونه في الطرق المؤدية إلى قريتهم…

قرية الأحلام أصبحت أثراً بعد عين… وبالقرب من ركام الحجارة ومستعمرات الصبار تمددت منطقة كبيرة خُطَّ في اللوحة الموجودة على جانب الشارع المؤدي إليها باللغة العبرية والإنجليزية كلمة “ريجافيم” أدرك في الحال أن هذه المغتصبة قد حلت على أرضهم مكان قريتهم الحبيبة…

أبنية جميلة مصممة على الطراز الغربي الحديث تنتشر في كل مكان، وأمام كل بيت توجد حديقة صغيرة يفرشها العشب الأخضر الزراعي وفيها أحواض من الورود الملونة المختلفة الأنواع، التي لم تكن في يوم من الأيام من أزهار قريته الطبيعية… وبين البيوت أيضاً توجد مواقف للسيارات وأحواض مائية جميلة…

وألعاب للأطفال وملاعب كرة قدم…الخ. وقف مصدوماً مما رأى… فقريته لم يعد لها وجود… وأراضيهم الخضراء الخصبة حلت محلها أكومٌ من الإسمنت مصممة جيداً على شكل أبنية غريبة دخيلة على أرضه وثقافته… أما زيتونهم فقد اقتُلع من مكانه… فالغزاة لم يتركوا أي أثرٍ لتينٍ أو زيتون…

وكأن بينهم وبين هذه الأشجار الخيِّرة ثأراً قديماً… لاحظ أنهم زرعوا الكثير من شجر الغرقد حول المغتصبة… أفاق من صدمته على شخص يناديه بقسوة آمراً إياه بالتوقف، انتبه لمصدر الصوت فإذا برجل يرتدي ملابس زرقاء يبدو عليه أنه حارسٌ أو شيء من هذا القبيل، يحمل بين يديه بندقية، هدده بإطلاق النار إن تحرك من مكانه… صرخ عودة في الرجل قائلاً: ماذا تريد مني… هذه قريتي وهذه أرضي ارحل واتركني وشأني…

سأله الرجل بعربية ثقيلة تصبغها اللهجة العراقية وهو يقترب منه: من أنت؟ ماذا تفعل هنا؟ أجابه: أنا عودة، أتيت أزرع زيتونتي في قريتي. قال الرجل: لا أرض لكم ولا زيتون… الأرض لنا ولا مكان للزيتون فيها.

رد عودة: أيها الغاصب… لماذا أتيت من العراق إلى هنا؟ ارحل إلى عِراقِك الذي قدمت منه… فهذه فلسطين أرضي وأرض أجدادي وآبائي… ها أنا ذا قد عدت إليها… أَسكنها فأزرعها وأُعَمِّرها… أحيا فيها وأموت فيها… ويكبر فيها أبنائي من بعدي… قال الرجل: أنتم هربتم منها… فوجدناها أرضاً خالية… لا يمتلكها أحد…

فسكناها وجعلناها جنة الله في أرضه…

رد عودة بغضب: اخسأ يا هذا… كفاك كذباً… سفكتم دماءنا، وسرقتم أرضنا، واعتديتم على عرضنا، وهجرتمونا عن بيوتنا… فلم تتركوا لنا سوى خيارين… أحلاهما أمر من العلقم… إما القتل وانتهاك العرض وإما التشريد… كثيرون منا قتلوا… وقلة هُجروا غصباً عنهم… أحس الرجل بالهزيمة أمام الصبي، فصرخ فيه قائلاً: هيا ارحل من هنا… لا أرض لك ولا مكان… هذه أرض الميعاد التاريخية ملكنا وحدنا…

وما أنتم وباقي شعوب الأرض إلا عبيداً خلقتم لخدمتنا… هيا ارحل وإلا أطلقت النار عليك وقتلتك… ومن نبل أخلاقي أنني سأدعك ترحل هكذا آمنا وادعاً… تناول عودة من ركام قريته حجراً وقذف به اليهودي الدخيل قائلاً: “شاهت الوجوه”… وفي اللحظة نفسها أطلق اليهودي الذي يحرس مدخل المغتصبة رصاصة أصابت عودة في صدره فوقع أرضاً وقبَّل ثرى أرضه قبل أن يرتقى شهيداً إلى خالقه… وأصاب الحجر اليهودي الغاصب في عينه ففقأها… أما الزيتونة… فقد اخترقت جذورها البرميل… وامتدت إلى الأرض تنغرس وتتجذر فيها… وترتوي من دماء عودة…

وفي كل موسم تثمر الزيتونة الكثير من حبات الزيتون… تسقطها على الأرض بعد نضجها… فتنطلق أجنتها تشقُّ النوى وتنبت أشجار زيتون جديدة تعمِّر الأرض وتحاصر الغرقد العابر… وفي يوم ليس ببعيد سنعود… فنحن ها هنا صامدون ننتظر…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق