اشراقات تاريخية

أبناء عفراء، الحلقة (3)

(( سلسلة مع الصحابة ))

تحدثنا في الحلقة الماضية عن موقفين رائعين لأبناء عفراء رضي الله عنهم، وكنا قد ذكرنا أن ثلاثة من أبنائها استشهدوا في معركة بدر، وسنتحدث اليوم عن هؤلاء العظماء وقصص استشهادهم.

(((استشهاد معوِّذ)))

كان (معوِّذٌ) ممن شاركوا في قتل أبي جهل، مع أخيه معاذ، وكان قد جرح أبا جهل. وتذكر بعض الروايات أن الذي قتل (معوّذًا) رضي الله عنه هو أبو جهل، ووفق هذه الرواية كانت نتيجة القتال بينهما أن أبا جهل جُرح ولكنه استطاع قتل (معوّذ) رضي الله عنه.

ولكن رواية أخرى في كتب السيرة تقول أن الذي قتل (معوذ ابن عفراء) هو أبو مسافع الأشعري، وهو حليف لبني مخزوم، قبيلة أبي جهل، وقد قُتِلَ أبو مسافع هذا في بدر، قتله أبو دجانة رضي الله عنه.

ومن القصص الطريفة في السيرة ما روي أنه حدث بين بنت معوّذ – واسمها رُبَيّعَ – مع أم أبي جهل، وكانت أمُّ أبي جهل واسمها أسماء بنت مُخَرَّبَةَ قد أسلمت، وأدركت خلافة عمر رضي الله عنه.

فقد روي عن (رُبَيّعَ بِنْتِ مُعَوّذٍ) أنها قَالَتْ: دخلتُ في نسوةٍ من الأنصار على أسماءَ بنت مُخَرّبَةَ، أُمِّ أبي جهلٍ، في زمنِ عمرَ بنِ الخطّابِ، وكان ابنُها (عبدُ اللهِ بنُ أبي ربيعةَ) يبعثُ إليها بعطرٍ من اليمن، وكانت تبيعه إلى الأُعطية – والأُعطية هي الرواتب التي كانت تصرف من بيت المال لجميع أفراد المجتمع المسلم –. تقول الرُّبيّع: فكُنّا نشتري منها، فلمّا جعلت لي في قواريري، ووزنت لي كما وَزَنَتْ لصواحبي، قالت: اكتُبْنَ لي عليكُنّ حَقّي. فقلت: نعم، اكتُب لها على الرُّبَيّعِ بنتِ مُعَوّذٍ.

وعندما سمعت (أسماء) بالاسم علمت أن هذه المرأة هي بنت الرجل الذي ساهم في قتل ابنها، فقالت: حَلْقَى، وإِنّك لَابنةُ قاتل سَيّدِهِ؟ و(حَلْقَى) كلمة كانت تقولها العرب من باب الدعاء على الغير، ومعناها (أَوجع اللَّهُ حَلْقها)، وقيل معناه الدعاء عليها بأن (يموت زوجها فتَحْلِق شعرَها حدادًا عليه) فقالت لها الرُّبَيّعِ: لَا، ولكن ابنةُ قَاتِلِ عبدِهِ. فغضبت أسماء وقالت: والله، لا أبيعُك شيئًا أبدًا.

فردَّت عليها الرُّبَيّعِ فقالت: وأنا، والله، لا أشترى منك شيئًا أبدًا! فوالله، ما هو – عن العطر الذي كانت تبيعه أسماء – بِطيبٍ ولا عَرفٍ! والعَرْف هي الرائحة الطيبة. تقول الرُّبَيّعِ للذي روى عنها الحديث: والله، يا بُنَيّ مَا شمَمْتُ عطرًا قطّ كان أطيبَ منه، ولكن – يا بُنَيّ – غضِبْتُ!

(((استشهاد عوف)))

أما (عوف) فقد استشهد أيضًا يوم بدر، وروي أيضًا أن الذي قتله هو أبو جهل. وقد روي أن (عوفًا) كان قد سأل النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ما يُضحِكُ الربَّ من عبده؟ وقوله (ما يضْحك الرب)، أَي يرضيه غَايَة الرِّضَا. فقال له ﷺ: (غَمسَهُ يَدَه في العدو حاسرًا)، فنزع عوفٌ درعًا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل. أما عن سبب تخصيص حاله بأنه (حاسر)؟ والحاسر من الجُنود هو من لا دِرع له ولا مِغْفَر، فإن ذلك لم يأت لتسهيل تعريض نفسه للقتل، وإنما لأن الحاسر أقدر على الحركة، رغم المخاطرة، فهو أكثر نكاية في العدو، والله أعلم.

(((استشهاد عاقل)))

وقد اسْتُشهد مع رسول اللَّه ﷺ ببدر ابنٌ ثالث لعفراء رضي الله عنها، وهو (عاقلُ بن البُكَيرِ) قتله مالك بن زهير الْجُشَمِيّ، وكان عمره أربعًا وثلاثين سنة. وكان الرسول ﷺ قد آخى – في إحدى الروايات – بين (عاقل) و(مبشر بن عبد المنذر)، فاستشهدا جميعًا ببدر. وكان اسم عاقلٍ قبل الإسلام (غافلًا)، فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ (عاقلًا)، وكان من أول من أسلم وبايع رسول الله ﷺ في دار الأرقم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق