اشراقات تاريخية

أبناء عفراء، الحلقة (2)

((سلسلة مع الصحابة ))

ذكرنا – في الحلقة الماضية – أن أبناء عفراء السبعة شهدوا معركة بدر. (((المبارزة))) ومن المواقف المشهودة المذكورة لبعض بني عفراء في معركة بدر أنه لما خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، ودعَوْا إلى المبارزة، بادر أبناء عفراء الأنصاريون الثلاثة (معاذ ومعوذ وعوف بنو الحارث) للخروج لمبارزتهم. وقد روي أنهم لما خرجوا سألهم عتبة: من أنتم؟ فقالوا: رَهْطٌ من الأنصار، وانتسبوا. فقال لهم حين انتسبوا: أكْفَاءٌ كرامٌ، إنَّما نريد قومنا، ما لنا بكم من حاجةٍ. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.

فأمر النبي ﷺ حينها حمزة وعليًّا وعبيدة بالخروج للمبارزة. وروي أن النبي ﷺ كره أن يكون أول قتال لقي فيه المسلمون المشركين في الأنصار، وأحب أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه، فأمر أبناء عفراء أن يرجعوا إلى مَصَافِّهم، وقال لهم خيرًا.

(((قتل أبي جهل)))

ومن المواقف المشهودة المذكورة لبني عفراء – أيضًا – في معركة بدر مساهمتهم في قتل أبي جهل، وقد ذكرت السيرة في ذلك حكاية حافلة بالعبرة، يرويها الصحابي الجليل (عبد الرحمن بن عوف). يقول عبد الرحمن: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، (فكأني لم آمن بمكانهما)، وتمنيت أن أكون بين أضلع منهما. نعم، فقد كانوا في الحرب، ومن الطبيعي أن يريد المقاتل أن يكون حوله مقاتلون أشدّاء يعتمد عليهم إن اشتدت المعركة، قال عبد الرحمن: فغمزني أحدهما (سرًّا من صاحبه). لاحظوا معي: يريد أن يستأثر هو بالإنجاز لا يشاركه فيه أحد، وهذا في عمل الخير أمرٌ محمود.

فقال: يا عمّ، هل تعرف أبا جهل؟ استغرب عبد الرحمن، ما لهذا الفتى ولأبي جهل!؟ فقال له: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ فقال الفتى: أُخبِرتُ أنه يَسُبُّ رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سَوادي سَواده (يعني شخصي شخصه) حتى يموت الأعجل منا.

نعم، كان يريد أن يثأر لحبيبه المصطفى ﷺ، من ذلك الذي كان يؤذيه ويسيء إليه. فتعجب عبد الرحمن من ذلك، وبينما هو مستغرق في التفكير في جرأة وطموح هذا الفتى، فإذا بالفتى الآخر يغمزه ويسأله نفس السؤال. تغيرت نظرة عبد الرحمن للشابين اللذَين حوله. يقول عبد الرحمن: فما سَرَّني أني بين رجلين مكانهما. ثم رأى أبا جهل يجول في الناس، فقال للشابّين: ألا إن هذا صاحبُكما الذي سألتماني عنه.

قال: (فشدَّا عليه مثل الصقرين)، فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه. كان هذان الشابان البطلان اللذان يترصدان لأبي جهل ابني عفراء، معاذًا ومعوّذًا. والظاهر كما ذكرت بقية كتب السيرة أن معاذًا ومعوّذًا أدركا أبا جهل وقد أصابه (معاذ بن عمرو بن الجموح)، فضرباه حتى أثبتاه، وتركاه وفيه رمق، ثم جاء عبد الله بن مسعود، فوجده جريحًا به رمق، فأجهز عليه.

وقد ذكر الواقدي – بلا إسناد – أن رَسُول اللهِ ص وقف عَلَى مَصْرَعِ ابْنَيْ عَفْرَاءَ فَقَالَ: يَرْحَمُ اللهُ ابْنَيْ عَفْرَاءَ، فَإِنّهُمَا قَدْ شَرِكَا فِي قَتْلِ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمّةِ وَرَأْسِ أَئِمّةِ الْكُفْرِ! فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ قَتَلَهُ مَعَهُمَا؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةَ، وَذَافَّهُ( )ابْنُ مَسْعُودٍ – أي أجهز عليه –، فَكُلّ قَدْ شَرِكَ فِي قَتْلِهِ. وهذه الحكاية فيها العديد من العبر والدروس التي ينبغي الوقوف عندها، ومن ذلك:

• أن لا نتسرع بالحكم على الناس من أول نظرة، فقد يكونون خلاف ما نظنّ فيهم.

• كان معاذ ومعوّذ رضي الله عنهما نموذجًا لعلوّ الهمة، فقد شاركا في المعركة ووضعا لنفسهما هدفًا ساميًّا، وهو تخليص الناس من رأس من رؤوس الكفر، وهكذا يجب أن نربي أبناءنا، على أن يكون طموحهم مرتفعًا لا يرضون إلا بالمعالي من الإنجازات.

• الشباب هم عماد الدعوات، ووقود المعارك، وهم الذين يجب علينا أن نوليهم كل العناية والاهتمام رضي الله عن معاذ ومعوّذ ابني عفراء، وعن سائر صحابة الرسول ﷺ، وألحقنا بهم في جنان النعيم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق