إشراقات سياسية

الموقف التركي من صفقة القرن

تمثل القضية الفلسطينية العمود الفقري للقيادة التركية بشكل خاص وللشعب التركي بشكل عام فهي إمتداد للحكم العثماني الذي كانت فلسطين والقدس جزءاً مهماً من المكانة التاريخية التي حافظت عليها القيادة العثمانية، وأولتها إهتماماً بالغ الأهمية لاسيما في فترة السلطان عبدالحميد الثاني الذي رفض أن يتنازل عن شبرٍ واحد من فلسطين للصهاينة اليهود حيث عبر لليهودي هيرتزل قائلاً:” هذه الأرض ليست ملك شخصي بل هي ملك الدولة العثمانية، والله لإن قطعتم جسدي قطعة قطعة لن أتخلى عن شبرٍ واحد من فلسطين”.

إن التمسك بفلسطين والحفاظ عليها هو نهج عثماني متجدد في نفوس الإتراك حتى يومنا هذا، فالقضية الفلسطينية حاضرة بقوة في عقول الإتراك جميعاً على كافة المستويات دون إستثناء الرسمية والشعبية، فالإتراك يعدونّ المدينة المقدسة جزءاً مهماً من تاريخهم وإرثهم السياسي مقدسة في تراثهم وعقيدتهم كما هو الحال في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

لا تغيب القدس عن أعين الأتراك فهم يعدون الرحلات الدينية إليها كما يعدّ المواطن العربي الرحلات الدينية إلى مكة المكرمة للحج أو لتأدية العمرة، في سبيل الذهاب تكثفً الرئاسة والحكومة التركية كافة الإمتيازات للشعب التركي بالتعاون مع جمعيات تركية بهدف تعميق الإنتماء والتأكيد على أن القدس هي أرث عثماني تاريخي لايمكن نسيانه أو التغافل عنه في ظل وجود إحتلال إسرائيلي يفرض قيوده على الداخل والخارج،  بل في غالبية الإحيان يمنع أي شخص من الدخول إلى المسجد الأقصى المبارك تحت ذرائع وهمية هدفها التأكيد على يهودية المدينة.

إبانّ إعلان ترامب نقل السفارة الإسرئيلية من تل أبيب إلى القدس  في منتصف آيار مايو عام 2018، تبابينت المواقف العربية والغربية مابين موقف مؤيد خجول لا يرى في نقل السفارة من تل ابيب إلى القدس سوى أحقية تاريخية لليهود ومابين  معارض للقرار الذى رأى في ذلك تهويداً للمدينة المقدسة وطمس معالمها التاريخية والدينية، فكان من تلك المواقف الموقف التركي حيثُ أكدت الخارجية التركية في حينها بأن الولايات المتحدة الإمريكية تسعى إلى تخريب أرضية السلام من خلال إنتهاكها للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وثوابت الأمم المتحدة بشأن القدس.

لم تتوقف الردود التركية فقط على المستوى الدبلوماسي التركي فقد خرجت مظاهرات شعبية عارمة في مدن إسطنبول تعبرُ عن رفضها وإستنكارها للقرار الإمريكي الإسرائيلي، في حين دعت الرئاسة التركية إلى اجتماع عاجل لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول في 18 مايو عام 2018 والذي نص على إرسال قوة دولية لضمان حماية الفلسطينين من إسرائيل، وفرض عقوبات إقتصادية على الدول التي تنقل سفارتها للقدس ومراجعة العلاقات السياسية معها.

الدور التركي في مواجهة صفقة القرن:

إن صلابة الموقف التركي وعدم مرونته تجاه القضية الفلسطينية لم يتغير عقب إعلان ترامب لصفقة القرن، فكانت جميع المواقف التركية الرسمية والشعبية والحزبية ينتابها الغضب والإستنكار الشديدين، فكما أسلفت سابقاً بأن القضية الفلسطينية تحتل أولوية مهمة في صدارة البيت التركي.

وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خطة السلام في الشرق الأوسط أو ما تعرف “بصفقة القرن” بأنها مشروع إحتلال، وأن القدس ليست للبيع، ويردف قائلاً: ” نحن كإمةٍ تركية نظرتنا اليوم إلى فلسطين هي نفس نظرة السلطان عبد الحميد الثاني”.

إذن النظرة التركية لفلسطين والقدس لم تتغير لدى الأجندة التركيةـ وبقيت تحظى بإهمية بالغة فالرئيس التركي في كثير من لقاءاته كان يردد دائماً عبارات أن قضية القدس هي كرامة وشرف كل المسلمين وأن القدس هي المدينة المقدسة للإديان السماوية الثلاث.

لم يحنصر الخطاب الرسمي في تصريحات للرئيس اردوغان بشأن صفقة القرن إعلامياً، بل تعدى ذلك من خلال عقد مؤتمر  الثالث لرابطة برلمانيون لإجل القدس المنعقد في العاصمة الماليزية  كوالمبور، حيث أكد الرئيس أردوغان على أن صفقة القرن وهم يهدد السلام والطمأنيية في المنطقة ولن نسمح بتحقيقها.

إلى جانب الخطاب الرسمي للرئيس أردوغان أوصت جميع الأحزاب السياسية التركية المنضوية تحت قبة البرلمان التركي بأن خطة السلام الإسرائيلية في الشرق الأوسط هي خطط إمبرلية  تستهدف حقوق الشعب الفلسطيني ، في وصف رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري أنكين ألتاي الخطة بأنها تهدف إلى تدمير الشعب الفلسطيني وخلق تواترات وحروب جديدة في المنطقة.

لا ننسى الموقف الشعبي التركي الذي لم يهدأ أبداً قبل الصفقة أو بعدها فالمظاهرات تتجدد دوماً في إسطنبول نصرة للقدس وللقضية الفلسطينية، فالقدس حاضرةً لدى الشارع التركي بقوةً فهي رمز ديني وتاريخي وعثماني وموروث يجب التمسك به والمحافظة عليه.

إن الجهود التي تقوم بها الرئاسة التركية ومعها الحكومة والأحزاب السياسية والشعب التركي في حماية المسجد الاقصى المبارك هي جهود تركية بحتة تنبع من عمق الإنتماء التاريخي لفلسطين والجذور العثمانية التي عاشت هناك، وحافظت على مكونات المدينة حتى يومنا هذا فالزيارات والدعم بكافة أشكاله لم يتوقف في ظل مضايقات إسرائيلية ودولية وعربية لمنع الحكومة التركية من المحافظة على المدينة، وعلى الرغم من ذلك فالجهود مستمرة على قدم وساق، وهذا يعود إلى الدعم الذي يوليه الرئيس أردوغان للمدينة والذي ينبع من بُعد تاريخي وديني وإرث عثماني لابد من إحيائه وتجديده.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الموقف التركي من صفقة القرن سيء جدا، إن لم يكن أسوأ مواقف الأنظمة المنتمية إلى منظمة التعاون الإسلامي، رغم أنها جميعا لا تتنافس سوى في الانحطاط، وفي خداع الشعوب بالأموال والكلام والدموع. ويمكن للمنصف أن يراجع بنفسه مواقف جميع هذه الدول ويقارن بينها في هذه النقاط:
    1. وجود علاقات سياسية مع العدو الصهيوني، من سفارات وقنصليات ورفع أعلام العدو في بلد المسلمين وغير ذلك.
    2. وجود علاقات سياحية مع الصهاينة، كاستخدام مطار اللد المحتل مثل أي مطار طبيعي، واستخدامه لزيارة القدس المحتلة أو أي بلدة فلسطينية، وزيارة الصهاينة لبلد المسلمين بتأشيرة وبدون تأشيرة، والسماح للطيران الصهيوني باستخدام أجواء البلد.
    3. حجم التبادل الاقتصادي مع الصهاينة.
    4. وجود علاقات شعبية مع صهاينة في مجالات أخرى، كالرياضة والفن والعلوم والإعلام والثقافة والدين.
    5. الإساءة الرسمية لفلسطين ، كأن يصف أحد المسؤولين المقاومة بالإرهاب، أو يحتقر الرد على الاحتلال، أو يسمي الأرض المحتلة عام 1948 دولة إسرائيل، أو يعد القدس عاصمة لها.
    6. التقليل من أهمية المسجد الأقصى وأنه حق خالص للمسلمين، بعدم الاكتراث بالاقتحامات الصهيونية ومحاولات فرض تقسيمه زمانيا ومكانيا، أو بالحديث عنه كأنه مكان مشترك لأصحاب الديانات الثلاث.
    7. وجود قضايا قانونية مرفوعة ضد صهاينة ارتكبوا جرائم حرب.
    8. وجود النظام الصهيوني أو حركات صهيونية ضمن قوائم الحركات الإرهابية.
    9. وجود قوانين تجرم التعاون مع الإرهابيين الصهاينة ومع أي داعم لهم.
    10. دعم حركة المقاطعة العالمية BDS، وتبني مبادئها التي لا تتعارض أي منها مع القوانين والقرارات الدولية.
    11. التعامل مع أي شركة مشاركة في جريمة الاستيطان.، خاصة الشركات المذكورة في قائمة الأمم المتحدة للشركات العاملة في المستوطنات بالمناطق المحتلة عام 1967.
    12. وجود علاقات مع الإدارة الأمريكية راعية صفقة القرن، من لقاءات واتصالات رسمية بترمب كبير الصهاينة، وبوزرائه ومبعوثيه.
    13. المشاركة في أي مؤتمرات ترويجية لصفقة القرن، كمؤتمر وارسو ومؤتمر البحرين ومؤتمر إعلان الصفقة.
    14. وجود علاقات عسكرية مع الجيش الأمريكي، كشراء معدات وأسلحة، خاصة تلك التي أثبت الصهاينة نجاحها باستخدامها لقتل فلسطينيين وقمعهم وانتهاك حقوقهم، وكاستضافة جنود أمريكيين في بلد المسلمين، والاشتراك في تدريبات عسكرية مع جنود أمريكيين.
    15. وجود علاقة سياسية مع أي نظام آخر نقل سفارته إلى القدس، مثل غواتيمالا.
    فوق هذا كله كيف يمكن لأي منصف أن يرى أن القنصلية التركية الموجودة في شطر القدس المحتل عام 1967 تابعة للسفارة التركية بتل أبيب ثم يعجبه الموقف التركي من صفقة القرن؟ النظام التركي يؤكد علانية وبوضوح أن الجزء الشرقي من القدس جزء من دولة غير فلسطينية، بل جزء طبيعي من دولة طبيعية يسميها إسرائيل، فهل وصل نظام آخر إلى هذا الانحطاط؟ وهل يستحق النظام التركي بعد كل هذا الإجرام والخيانة ومصادقة الذين قاتلوا المسلمين في دينهم وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على إخراجهم أي شكر أو إعجاب أو تأييد، حتى لو ملأ الشوارع والجوامع بهتافات كاذبة لفداء الأقصى بالروح والدم، وحتى لو أصدر آلاف بيانات الاستنكار الكاذب، وحتى لو أغدق أموال الدنيا على الفلسطينيين محققا وعود خطة ترمب ونتنياهو الاقتصادية؟ مدح من لم يقطع كل علاقاته بالصهاينة وبراعيهم الأمريكي هو أسوأ من مخالطة من تعانق بالأحضان مع مصابين بالفيروس التاجي، فلينظر المخدوع بفوائد ذلك على المدى القريب إلى المساوئ والمخاطر على مدى أبعد، وليتخذ سبيل الرشد بعد أن رآه، إن أراد النجاة.

  2. نشرتم عدة تعليقات سابقة لي، فما الذي يمنعكم من نشر تعليقي على هذا المقال؟ أتحبون الناصحين أم الغاشين الذين يصفقون للصواب والخطأ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق