اشرقات ثقافية

لماذا الروايات: لا؟

هل نمسك بنواصي الكتب عند امتلاكنا لها؟ هل تكشف لنا الكتب خباياها باعتبار شغفنا بها حجةً أو مدخلاً؟ هل الكتب على سهولة فتحها بحركة من يد الإنسان تَفتح لنا الأبواب التي نبحث عنها وما خلفها، ماذا نعتقد عن الكتب؟ الروايات أم الكتب ؟ يُسأل هذا السؤال وتوضع هذه المقارنة أمام القارئ، لكن ما صحة هذه المقارنة؟

الروايات تسلسل زمني لأحداثٍ خلال فترة محددة ربما تكون طويلة أو قصيرة، يتهمها كثيرون بقصر المحتوى والفائدة، ولا يمكن اعتبار هذا الرأي خطأ بالكامل أو صواباً كاملاً، وربما كان من أسباب هذه النظرة ما أصبحنا شاهدين عليه من فتح الباب على مصرعيه أمام كل من يريد أن يكتب، فتخرج لنا مجموعة هائلة من الكتابات على أنها “روايات” بما لا يتناسب مع لغة الكتابة الروائية، أو خلوها من فائدة ترجى، أو هشاشتها السردية، وانعدام الذوق الجمالي فيها، إضافة لسبب قد يكون الأكبر وهو الإقبال الكبير على الروايات مقارنة بالكتب، مما خلق ردة فعل عنيفة لدى البعض من القراء والكتاب تجاه ما هو روائي، وكنت في فترة سابقة من الذين كرهوا الروايات واعبتروها مضيعة للوقت، لكن لا بدّ من توزان في النظرة وفهم لكل مرحلة يُمر بها القارئ، والهدف والدافع خلف القراءة، والمستوى المعرفي والاطلاعي للقارئ.

لا تعتبر الأسباب السابقة مبرراً للمقارنة بين الروايات والكتب إلّا أنّه منزلق يسقط فيه من يريد تغليب طرف على آخر، وتقْصر الرؤية لديه عن اختلافٍ بين هذين الطرفين، فلا يمكن وضعهما في ميزان واحد.

غالباً ما تكون الروايات أول ما يبدأ القارئ تجربته بها، فضلاً عن الكتب المتعلقة بمجال التنمية البشرية، وهذا لكونها وسيلة لتشجيع القارئ الجديد، وأسلوبها الشيّق، وإتاحتها الفرصة للقارئ بجعله جزءاً منها، ويغفل معارضو الروايات عن الأدب الروائي التاريخي كبير الفائدة، الذي يتمثل في الراويات التي تتحدث عن تاريخ زمان أو مكان أو حادثة معينة، وهذا فيه من المعلومات والاطلاع على بيئة مجتمعية ما وفهم نفسية أفرادها من الفائدة ما يُعزز آلة الربط والاستنتاج لدى القارى، ويزيد من رقعة اطلاعه على بيئات مختلفة، حتى أنّ هذا النوع من الروايات يحتاج تركيزاً من القارئ ومستوى من اللغة والفهم يتعدى كون الرواية مجرد أحداث متسلسلة إلى كونها عقلية فكرية واجتماعية مركبة من عناصر كثيرة قد تتفوق على كتب فكرية.

نعم تتفاوت الفائدة وجودة المحتوى بين الكتاب والرواية، على اعتبار الاختلاف الواقع أصلا بينهما، وهذا لا يلغي أهمية الروايات في مسيرة القارئ، فالروايات وإن كان أثرها قليلا غير مرئي إلّا أنّ هذا الأثر سيحضُر للقارئ في فترة يكون قد دعّم هذا المخزون بالكتب، وحينها سيتذكر ويقارن بين البداية وما وصل إليه، ولن يكون جاحداً لفضل هذه الروايات عليه.

فالروايات بداية جيدة جدا بأن ننتقيَ أفضلها وأقربها للقيمة الثقافية والتاريخية، فهي بداية لتشجيع من هم في مرحلة المدرسة، ولمن هم لا يطيقون قراءة كتابٍ جامدٍ يتحدث عن فكرة واحدة، ولمن يرون في القراءة أمراً جميلاً ومفيداً لكن فكرة الملل تخيّم عليهم، والتجارب كما رأيتها لدى صديقات وتجربتي كذلك تقول أنّ الروايات تكون خطوة نحو حبّ القراءة والتمسك بها، وتحوّل القراءة لجزء أساسي من حياة الإنسان. واقع التفضيل بين الرواية والكتاب أمر لن يُحسم، والآراء حوله ستبقى في تباين واضح، وهذا أمر طبيعي، إلّا أنّ المغالاة بالتقليل من شأن الراوية هو ما يحتاج للنّظر ويبعد عن الصواب، وأيضاً الاعتماد على الروايات كمرجع للثقافة والاطلاع والبحث لا يقول به عاقل، ولا بدّ للعقل من استراحة محارب بعد كتاب دسم بفنجان قهوة روائي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق