تدوينات

عقرنا إنسانيتنا .. فباغتنا كورونا !!

وهل كان يخيّل إلى عقولنا يوماً أن يباغتنا عدو من هذا النوع، في ظل معمعة حياتنا ودوران عجلاتها الغليظة للأمام بلا توقف أو انتهاء و هل أمهلنا أنفسنا هنيهة من الزمن لنسمع، لنرى، لنرجع تلك العجلة للوراء تأملاً.

العالم لم يوقف عجلته الاقتصادية، والسياسية والرياضية لأجل دماءٍ تُراق في معظم البقاع، لم يوقف زياراته ولا مؤتمراته الرسمية، لم يتكلف بالدفاع حتى بكلمة لأجل أولئك المظلومين فجاء هذا العدو على شكل فايروس ليوقف كل العالم بحكامه عند حده، ليوقف جشعٌ أعمى قلوب حكامنا فأخطأ خطاهم وبعثرها، وغرب مخادع استولى على أجسادهم فجعلها ملكاً له وحركّها يميناً وشمالاً كيفما يشاء وحيثما شاء، غرقنا في مستنقع من الدماء، دماء المظلومين والظالمين، أهل الحق وأهل الباطل، الأبرياء والقاتلين، لا ندري لِمَ نقتُل أو نُقتَل؟!

تمادت جذور الشر في الأرض حتى بلغت مبلغاً عظيماً من تحطيم إنسانيتنا، كم من يوم استيقظنا فيه على مجازر وإبادات أدمت قلوبنا حتى جعلتها كالحجارة أو أشد قسوة، على غير بعيد هل نذكر سوريا أم اليمن أم العراق وهل نذكر فلسطين النازفة أم مسلمي الإيغور أم رابعة الموءودة بغير ذنب إلا أن ذنبها هو تسبيحها باسم الحرية والعدالة، وقبل أن أخوض في كلامي أنتَ يا من تقرأ حروفي لا تتهمني بالضيم والجور، فقد رفض الظلم من قبلي رجل يقطن مصراً فامتدت إليه جذور الشر وأحكمت عليه حتى أردته ساكناً بلا حراك، لا تقولوا وما شأن ذلك وما شأن مصابنا الجلل الذي أصاب عقر عالمنا، لا تقولوا خزعبلات وخرافات تتفوهين بها، أنا أعي ما أقول بل أعي ما تخطه يدايّ الواهنتان، وما تقرأه عينايّ القاصرتان.

لا أدري لماذا كلما يذكر هذا الفايروس يتحرّك أمامي شريط سنواتنا العشر العجاف من الإنسانية، وقبلها السنين العجاف من العدل، يتراءى أمامي مشاهد لجوء السوريين والمسلمين في كل البلاد، يتراءى أمامي صرخة طفلٍ من اليمن، وزوجةٍ من سوريا، وأبٍ من العراق، وأمٍ من غزة، أتذهب هذه الصرخات سدى، فأين تذهب دموع الأرامل اللواتي جفت مآقيها، وأين تذهب السكاكين التي غرست في أجساد الأبرياء على مرأى من صمت العالم، وأين تذهب الحجارة المكومة على راحة سوريا الشام وتسع سنوات تنتظر بانيها، كل الدماء التي أريقت ظلماً، وجذوة الشباب التي أطفأتها سجون الباطل، وكل الأيادي والأرجل التي قضمتها فم الشر من أجسادها، كلها جاءتنا على شكل فايروس ينتقم، يفترس، يتفشى، ويحرث بور وجور عالمنا، لينظّفه ويعقّمه من رائحة الخبث وطعم الظلم المرير.

الله أمهل حكامنا وسدنة هذا العالم لكنه لم يهملهم، أمهل بشار والسيسي وغيرهم لكنه لم يهملهم، أمهل ظلم الأخ لأخيه، والمدينة لجارتها لكنه لم يهملهم جميعهم، سبحانه عن أن يضيّع دعاءنا في جوف الليالي هباءً، سبحانه أن يضيّع من استند على نصره وخانته كل عهود ومواثيق الأمم، هو لن يضيع فقراء وضعفاء هذه الأمة سينصرهم ولو بفايروس يفتك البلاد فتكاً.

فالله وهبنا الإنسانية وشرفّنا بها على سائر خلقه، لكننا أخذنا نتجرد منها يوماً بعد يوم حتى عقرناها على مرأى ممن وهبنا إياها، فسارعنا بفايروس من عنده اسمه كورونا، والآن فلندعُه ألا يلحق هذا الفايروس بشيء آخر يهلكنا قبل أن تصدق توبتنا ونفر إليه نادمين !!

هل ظَلمَنا هذا الفايروس أم نحن ظلمنا أنفسنا، هل أبادنا أم نحن أبدنا إنسانيتنا، هل سجننا أم نحن سجنّا الخيرين فينا، هل شلّ حركة اقتصادنا أم نحن قصمنا ظهر فقرائنا وضعافنا فشلت بركتنا، يا لعدل هذا الفايروس لا يفرق بين وزير وفقير، ودولة ومدينة، يمر على الكل يقتص لرابعة وسوريا وغزة، يقتص من وزراء كانوا يجولون بلاداً لمباراة أو مؤتمر أو صفقة قرن، وعلى الصفحة الأخرى من العالم شعث وفقر، وعلى شاشاتنا نرى احتضار الجوعى والمظلومين، والمستضعفين، وبعدها تنعتونه بالطاعون والوباء العالمي، وهل يوجد طاعون بعد طاعون إنسانيتنا الذي أصابها وتفشّى في أركانها؟!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق