تدوينات

موسى عليه السلام.. النبي الإنسان

لطالما راودني السّؤال حول السّبب وراء تكرار الله -سبحانه وتعالى- لقصّة نبيّه موسى -عليه السّلام- مرّات ومرّات في ثنايا كتابه الكريم. ولطالما عجزت عن إيجاد التّفسير الأمثل لهذا الذّكر المفصّل لقصّة هذا النّبي تحديدا. فإذا جال فكري نحو محبّة الله لكليمه، لوجدت أنّ الله لم يُفرد لمخلوقه الأوّل من الإنس، آدم -ع-، ولا خليله، إبراهيم -ع-، ولا المولود بنفخة من ربّ العزّة في صور أمّه مريم، عيسى -ع-، ولا لنبيّه المصطفى العدنان، محمّد -ص-، مثل ما أفرد من الآيات والصّفحات لموسى صلوات الله عليه وسلامه.

وكذا إذا ذهب الخاطر إلى تفسير هذا الاهتمام بقصّته عليه السّلام بأنّه مُشابهةٌ في طريق الدّعوة بينه وبين مُحمّد -ص- الذي تتنزّل عليه آيات القرآن، فأعود أدراجي لأنّ طريقيْ الدّعوة لم يكونا متشابهين، فمُحمّدٌ لم يأتِ في زمن طاغيةٍ متجبّر مثل فرعون، ولم يُعاني من الملاحقة والمطاردة قبل النّبوّة، بل كان مصدّقاً مُستأمناً عند قومه، ولم يؤازره الله بمُعجزاتٍ دون معجزة القرآن، ولم يكن زمنه أصلا بحاجة إلى معجزات تفوق الخيال، كما زمن موسى الذي انتشر فيه السّحر والشّعوذة والكهانة والعرافة.

ثمّ إذا تأمّلت أهل جزيرة العرب، وفطنت أنّهم بحاجة إلى أخبار الأمم السّابقة لكي يرتّبوا في بحور الفكر موضع الدّين الذي جاء به أبو القاسم -ص- مع سلاسل الرّسالات الرّبانيّة التي أرسلها إلى خلائقه من النّاس؛ وجدت أنّ الله قد ترك أخبار أقوامٍ، وذكر أخبار آخرين باقتضاب، وتوسّع في أخبار بعضهم قليلا، لكنّه -تعالى- لم يُبيّن لنا سلسلة حياة نبيّ من ميلاده إلى أدائه الأمانة التي حُمّلها، إلا اثنين أحدهما يوسف -ع- في السّورة التي حملت اسمه، والثّاني هو موسى -ع- الذي كان التّفصيل في حكايته أكثر وأوسع وأدقّ.

حتّى إذا قرّرت أن أبحث في أقوال المتقدّمين والمتأخّرين من العلماء، وأفتّش في تفسيراتهم لهذا الاهتمام الرّبانيّ بهذا النّبيّ، وجدت كلاماً طيّبا جميلا يُشبع جائع العلم ويروي عطشان المعرفة، ولعلّي أتخيّر منه ما جاء على لسان العلّامة محمد الحسن ولد الدّدو الذي قال -والكلام منقول بتصرّف-: “أنّ الله أكثر من ذكر قصّة موسى، لأنّها قصّة تتكرر كثيرا في كلّ عصر، فهي قصّة الطّغيان القائم على خمسة أركان: الملك الطّاغية فرعون، والوزير المتملّق هامان، ورجل المال الفاسد قارون، ورجال الدّين الذين يسخّرون العلم في سبيل الباطل وهم السّحرة -قبل إيمانهم-، ورجال الإعلام الذين يروّجون للباطل ويكتمون الحق وهم الحاشرون”.

وحتّى مع هذا التّفسير العميق جدّا، ومع كلامٍ كثيرٍ جميلٍ لعلماء أُخر، أجد نفسي طامعة بمزيد حِكمٍ وأسباب لهذا الاهتمام بموسى -ع-، فالله -تعالى- لم يُركّز فقط على العِبر الكبرى في حياة هذا النّبي، إنّما ركّز على تفاصيل صغيرة جدّا من حياته وصلت إلى تدوين مواقفه التّفصيليّة الصغيرة ومشاعره القلبية المتقلّبة ومناجياته الخاصة لربّه، في آياتٍ تُتلى إلى يوم الدّين. ولذا آثرت أن أُدوّن ما أظنّه سببا من أسباب جعل موسى -ع- النّبي الأكثر ذكرا في القرآن من بين الأنبياء والرّسل، وجعل قصّته بتفاصيلها من المهد إلى الوفاء بعهد النّبوّة هي الأكثر تكرارا في سور القرآن: إنّها إنسانيّة موسى.. نعم، فإنّني أحببت أن أُطلق على موسى اسم: “النّبيّ الإنسان”، دون أن يكون في ذلك نزعٌ لصفة الإنسانيّة عن أنبياء الله -معاذ الله-، فإنّ الله لم يجعل يوماً نبيّا إلا كان بشراً مثلنا، فقال عزّ من قائل: “وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق”. ولكنّي أُطلق هذه التّسمية لأنّني وفي كلّ مرة أقرأ فيها جانب من قصّته، ألمس فيه مسحة إنسيّة بسيطة تعالى عنها الأنبياء ليس لأنّهم فوق البشر، بل لأنّهم أصفى البشر.

فموسى هو الرّجل المتخوّف، الضّعيف -كما كان يظنّ في نفسه-، المتعجّل، المتشكّك، المتأثّر بكلام الرّجال من حوله، الغضوب، الصّريح، صاحب القلب المرهف، المستشعر لوهن عزائم النّاس، المتعذّر لهم، الشّفيع عند الله لأجلهم، ولك أن تجد أضعاف هذه الصّفات التي إذا كانت في رجل استبعدت للوهلة الأولى أن يكون نبيّا. وهذا ما أثار لديّ كثير الأسئلة حول سبب اختيار الله لنبيّ رسول، كان أوّل ما طلبه من ربّه بعد تحميله أمانة الدّعوة أن يجعل معه من يؤازره في مواجهة الطّاغية فرعون، هارون أخيه. وقد ظلّ الخوف ساكنا قلبه حتى بعد أن أشرك الله معه هارون بالنّبوّة فقال: “رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ”.

موسى النّبي الإنسان هو الذي تعجّل في الحكم لمّا استنصره الرّجل الذي من شيعته، فنصره وارتكب ذنب القتل ضدّ الرّجل الآخر، ثمّ تبيّن له أنّه قد نَصر ظالماً “غَوِيٌّ مُّبِينٌ”، ومع أنّه تبيّن ذلك إلا أنّه عاد مجدّدا لينصر الظّالم، لولا أن “جَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ” ناصحاً له بالفرار قبل أن يصل إليه المتآمرون لقتله. ولكم في حكاية تعجّل النبي الإنسان بعد نبوّته مع الرّجل الصّالح الذي لم يستطع معه صبرا، خير مثال لاستيضاح صفة العجلة عنده -عليه السلام-.

وهو الذي برغم الآيات التي جاء بها وبرغم الوحي الذي أوحي إليه إلا أنّه كان صاحب الطّلب الغريب حين قال: “رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْك”، وكأنّما قد أثّرت في نفسه شكوك بني إسرائيل، ليس تكذيباً بالرّسالة، بل وكأنّه كان يبحث عن دليل جديد يُقنع فيه قومه بصدق دعوته، وفي ذلك قمّة الهمّ على من لم يهتمّوا حتى بأنفسهم.

وهو الغضوب الذي عاد من ميقات ربّه حاملا الألواح التي فيها كلام الله وحكمته وموعظته، ليتفاجأ بقومه وقد ارتدّوا عن الجادّة، وقد جعلوا من بعده العجل ليعبدوه من دون الله. فكانت ردّة فعله التي صوّرها الله في كتابه قائلا: “وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ”. فلمّا هدأ نبيّ الله وسكت عنه الغضب، أخذ الألواح التي فيها الهدى والرّحمة من الله.

وهو الشّفيع الحليم الذي أرجع نبيّنا ورسولنا محمّد -ص- إلى ربّه مرّات عدّة ليسأله التّخفيف عنّا في الصّلاة، ونحن لسنا بأمّته ولعلّه أقلّ اطّلاع من أبا القاسم -ص- على أحوالنا، ومع ذلك كان المُبادر إلى حثّ رسول الإسلام إلى العودة لطلب التّخفيف.

كل هذه المواقف والمشاهد الصّغيرة التي قد لا ننتبه لها، أو ننتبه لها ولكن يفوتنا تأمّلها وتفحّصها، أو نتأمّلها ونتفحّصها ولكن يغيب عنّا الرّبط فيما بينها؛ جعلتني كلّما قرأت آياتٍ فيها ذكر موسى -ع-، أو سمعت قارئاً يتلو من أخباره، أطرقَت أذناي للسّمع وخلّى قلبي ما فيه ليستبصر شيئا من الدّلالات بيّنة على قُرب هذا النّبيّ الكريم تحديدا وأكثر من غيره منّا نحن النّاس العاديّين، والغريب العجيب أنّني مع كلّ قراءة جديدة أستشعر قربا جديدا بيني أنا والنّاس، وبين هذا النّبي الكريم.

ولربّما تكون إحدى الحِكم التي أرادها الله من تكرار قصته -عليه السلام- مرّة تلو مرّة وفي سورة تلو أخرى، هي تبيان هذا القرب في الصّفات واستغلاله ليشعر كلّ تالٍ لآي الله بأنّه ليس بعيدا عن الأنبياء وهِمَمهم. فإن أخطأت أيّها العبد، فقد أخطأ هذا النّبي الكريم، وإن غضبت فقد غضب، وإن خفت فقد خاف، وإن تردّدت فقد تردّد، وإن تعجّلت فأفسدت ما بيديك فقد تعجّل، وإن مِلت مع النّاس حيثما مالوا فقد مال من قبلك. فهو -عليه السّلام- لم يكن الرّسول المثالي بمفهومنا القاصر نحن للرّسل، ربّما لأنّه لم يكن صبورا على قومه مثل نوح، ولم يكن صبورا على بلائه مثل أيوب، ولم يكن حكيما حليما مثل عيسى ابن مريم، ولم يكن فطنا شجاعا رزينا مثل محمد -ص-، بل كان يخلط من هذه الصّفات كما يخلط منها الرّجل منّا.

ومن ذلك أستخلص والله تعالى أعلى وأعلم، أنّ الله حين اصطنع موسى على عينه، واصطنعه لنفسه، لم يُرد أن يجعله النّبي المثاليّ بمعاييرنا نحن، بل أراد له أن يكون مثالا مثاليّا لملايين الناس من بعده أنّكم لستم بمختلفين عمّن اخترته نبيّا ورسولا، وأنّكم قادرون على حمل الرسالة وأداء الأمانة مثله تماماً، وأنّه لا حجّة لكم أيها النّاس أمام الله، بأنّ الأنبياء إنّما أدوا الأمانة لأنّهم معصومون مختلفون عنكم. لا بل إنّ موسى -ع- نبيّ ورسول ومن أولي العزم من الرّسل، وها هي صفاته في سيرته التي ملأت صفحات المصحف الشّريف، تشهد بأنّه من صفاتكم قريب، ومن حياتكم مشابه، فلِم لا تكونوا مثله في التزام الرّسالة وأداء الأمانة وحمل حِمل الدّعوة ورفع راية الجهاد؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق