إشراقات سياسية

الاستراتيجية الفلسطينية في مواجهة صفقة القرن

في عام 2000م، حينما كان الرئيس الراحل أبو عمار في كامب ديفد وفي مفاوضات شاقّة ومباشرة مع الأمريكان وحكومة الاحتلال التي كان يترأسها آنذاك ” إيهود براك “، شهدت هذه المفاوضات ضغوطات كبيرة على الفلسطينيين ليقبلوا بما عرضه عليهم الأمريكان لصالح دولة الاحتلال، وأخطر ما تمّ مناقشته آنذاك أمران أساسيان وهما، موضوع غور الأردن والذي تشكل مساحته30% من الضفة الغربية، والموضوع الثاني هو ملف شرقيّ مدينة القدس والذي تعادل مساحتها 10% على الأقل من مساحة الضفة الغربية.

لقد عرضت إسرائيل آنذاك استئجار الغور لمدة مئة عام وهذا يعني تأجيل استلام الفلسطينيين له، وضمه لدولتهم المستقبلية المفترضة بعد قرن من الزمان إنْ كانت الظروف طبعاً مواتية لذلك، أمّا موضوع مدينة القدس فقد رفضت دولة الاحتلال أي حلول يتم فيها تسليم الفلسطينيين شيئاً منها أو السيادة على شبر منها، ما تعاطت معه دولة الاحتلال هو الموافقة على وجود مقرّ للرئيس الفلسطيني يُرفع عليه علم فلسطين ويكون في أحد الأحياء البعيدة عن مركز المدينة كواد الجوز مثلاً ويصلح لاستقبال الوفود، إضافة لإسناد  بعض الخدمات البلدية التي يمكن أن تكون جزء تابع لبلدية القدس وتحت سيادتها.

مرّ عقدين من الزمن على مفاوضات كامب ديفد، تخللها أحداث كبيرة كان على رأسها انتفاضة الأقصى المسلّحة، والتي تلت كامب ديفد بشهرين، وجاءت نتيجة طبيعية على انسداد الأفق السياسي الذي انتهجته منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك ، والذي تُوّج باتفاقية أوسلو، ثم أعقب ذلك استشهاد عدد كبير من قادة الشعب الفلسطيني كان على رأسهم الرئيس الفلسطيني أبو عمّار وقادة كبار أمثال الشيخ أحمد ياسين زعيم حركة حماس وأبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية وغيرهم.

دخل المسار الفلسطيني طريقاً آخر بعد أن جرت الانتخابات الفلسطينية، ونتج عنها انتخاب الرئيس محمود عباس، وبعد ذلك فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية. كان للرئيس أبو مازن توجه بأنّ العمل المسلح والانتفاضة التي حدثت أضرت بالقضية الفلسطينية، فأعاد إنتاج مسيرة التفاوض من جديد وكان ذلك إبّان حكومة ” إيهود أولمرت ” الذي لم يستمر بأداء مهامه وأودع السجن بتهم أخلاقية لتتوقف بعدها المفاوضات، ولم تجدِ كل عمليات الإنعاش لإعادتها وذلك بسبب استمرار حكومات نتنياهو المتعاقبة على استمرار البناء الاستيطاني، واشترطت على الفلسطينيين استئناف التفاوض بقبول الأمر الواقع والاعتراف بيهودية الدولة. ونتيجة لذلك تضاعف الاستيطان وغيّر معالم الضفة الغربية بشوارع ومستوطنات ونقاط عسكرية، في الوقت الذي انشغل فيه الفلسطينيون فيما يعرف بالاستعداد لتأسيس قواعد الدولة الفلسطينية وبناء المؤسسات وكان على رأس ذلك حكومة سلام فياض التي تبعتها باقي الحكومات على نفس النهج.

والحالة هذه وبسبب موت اتفاق أوسلو من قبل الدولة العبرية، والتي سعت بكل التفاصيل التي قامت بها لإفراغ الاتفاقيات الثنائية المبرمة من كل التزام وجب عليها تقديمه، كانت تتحرك مستغلة حاجة مرشحي الرئاسة الأمريكية للأصوات اليهودية، عملت على تأسيس وترسيخ وصياغة فكرة صفقة القرن على الإدارة الأمريكية التي نجحت بتحقيق أهدافها من خلال الرئيس الأمريكي ” ترمب “، وأهم ما تشتمل عليه هذه الخطة هو مواضيع الحلّ النهائي، فقد حسمت موضوع القدس من خلال الاعتراف بضمها لدولة الاحتلال، مع الاعتراف بضم حولي60% من أراضي الضفة بما فيها أراضي غور الأردن.

الرد الفلسطيني على هذه الصفقة لم يكن بمستوى الحدث الكبير، رغم أنّ الكلّ الفلسطيني رفض الصفقة، وعبرت السلطة الفلسطينية والفصائل ببيانات الرفض والاستنكار، إلاّ أنّ الرد الشعبي لم يكن بمستوى الحدث، وكان حرص السلطة الفلسطينية أن لا تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة كما حدث في الانتفاضة الثانية، وبقيت ساحات الممانعة والرفض بيد السلطة لتعبر عنها من خلال التواصل الدبلوماسي مع دول العالم ، معتبرة أنّ ذلك هو الاستراتيجية الأساسية في مواجهة هذه المؤامرة، وأنّ إمكانيات العمل والمواجهة المباشرة غير متكافئ ولا حاجة تغيير سياسة حركة فتح المبنية على الدبلوماسية والاحتجات الموسمية عند الجدار في نقطتين أو ثلاث في الضفة الغربية، وبدت السلطة  معوّلةً على تغير ما في السياسة الأمريكية والإسرائيلية من خلال صناديق الانتخابات في كلا الدولتين، علماً أنّ الطيف السياسي الإسرائيلي متفق تماماً على بنود هذه الصفقة وتفاصيلها بغض النظر عن قضائها على أيّ بصيص أمل لقيام دولة فلسطينية على الضفة والقطاع المحتلتين، وأظهرت الانتخابات التي حدثت ثلاث مرات في الساحة الاسرائيلية أنّ أقل حزب من تلك الأحزاب بات في أقصى اليمين، وأنّ ضمّ الجزء الأكبر من الضفة الغربية هو مجال التنافس بين هذه الأحزاب، لتُلقى الكرة في المرمى الفلسطيني ولا يظهر متى قد تخرج منه بعد ذلك.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق