تدوينات

غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ

إنّ الله عزّ وجل حين يُغدق بنعمه، يصطفي بني البشر كلّهم، وما إنْ أوجد الله الكون، جعله كالميزان تسيرُ عليه أحكامه ومقدرته بإحكام، وفق ما تقتضيه من منفعةٍ وهدايةٍ للبشرية، حين يعطي الله سبحانه وتعالى يمنح بمقدارٍ، فهو عليمٌ بما في الصدور؛ فالله سبحانه وتعالى مُنزهٌ عن ما قاله اليهود من كُفرٍ وبُهتانٍ وزور، في قوله تعالى”وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ “(سورة المائدة، 64)، فالدنيا لم تمنح نعمها لمسلمٍ فقط، كما ينال المسلم الخير يناله الكافر أيضًا، وتحفظُ بإرادة الله الكافر بمكافئته بفعلِ الخير، حين يحفظ عطاء الله يحفظه سرًا وجهرًا.

قال تعالى: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ” (سورة البقرة، 126)، نرى في الآية كيف دعا نبي الله إبراهيم عليه السلام بأن يرزق الله المؤمنين من الثمرات؛ بل كان ردُّ الله عزّوجل بأنْ سَيرزق المؤمنين والكافرين، فالمؤمن يدعو الله لنيل الرزق، فيفتح عليه أبوابًا بعطائه، وما إنْ يتقي المؤمن الله في عمله، يوسّع عليه أبواب رزقه في دنياه، ويأخذ بيده يوم القيامة في جنّات النعيم، فأيّ جُرأةٍ يتفوه بها اليهود على الله بقولهم يدُ اللهِ مغلولةٌ؟ فكانَ ردُّ الله عليهم بأن طُردوا من رحمة الله وبعدوا عنها وغلَّت أيديهِم وأمسكت عن الخير، فهذه الآية استوقفتني أكثر من مرةٍ، لأنّها تنطبق على الكثير في عصرنا هذا ممن يجعلون من حكمِ عطاء الله عليهم بوصفهم زورًا وبهتانًا، فعطاء الله لا ينفذ يوزعُ بعدلٍ وإحكام، لكنّ النفس البشريّة التي لا تدركُ حكمةَ الله وموازينه، تضيعُ بين فُتات الأقاويل ممن يدّعون بأنّ نعم الله محجوبةٌ عن الكثير، وهم لا يعلمون ما تُخفي الصُّدور، إنّ الله إذا أعطى أكرم، وإذا منع أنزلَ حِكمته.

فالإيمان لا يستوجب الظاهر فقط، بل أنْ يتعمق المؤمن بباطن الأمور، ليكتشف مكنونات الله على هذه الأرض، فكلّ ظاهرةٍ تمثل مقتضيات الكتاب والسنة، وتستوجب الكشف عنها بتدبُّرِ آيات الله بإتقانٍ وخشوعٍ؛ فالبلاء لا يُنكر، بل مرَّ به الأنبياء قبل البشر، وأكبر دليلٍ على ذلك نبيّ الله أيوب عليه السلام، كان ذو مالٍ كثير، لكنّ الله ابتلاه بفقد ماله كله، وخرق جسده المَرض، لم يبق سالمًا سوى قلبه ولسانه، ولم يتوقفا عن ذكر الله ليلاً ونهارًا، فهذا البلاء من الفقد لم يأخذ به إلى المعصية وترك الله، بل زاده إيمانًا واحتسابًا، فالبرغم من صدَّ الناس عنه، إلا أنّ زوجته لم تُفارقه بعونه، حتى أنّها باعت ضفائر شعرها مقابل الطعام، حين قال تعالى على لسان نبيه أيوب عليه السلام: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ،فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ”(سورة الأنبياء،84-83)، حين امتثل لأمر الله سبحانه وتعالى، عوضه الله برزقٍ وخيرٍ وأهل، لمّا أمره أن يغتسل من عينِ ماءٍ بارد؛ فعادت الأرزاق والصحة والعافية.

فالسعي للآخرة هو تفضيل الله سبحانه وتعالى للمؤمن حين قال:” مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ، كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ، انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا” (سورة الإسراء، 18-21 .( ما يتسللُ من العيونِ يعلمه الله، كما ذكر في كتابه:”يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ” (سورة غاف،19) ، فخبايا الصدور من خيرها وشرها، قبولها ورفضها، كلّها شاهدة أمام الله.الظلمُ اليوم لم يمتثل بما هو شاهدٌ، بل أصبح يكتسي ثوب الحق فوق الرذيلة، فالكفر وإن بدا باطنًا فهو ظاهرٌ عند الله عزّ وجل، فصفحاتنا كلّها مكشوفة ولا يقبضها إلا الله سبحانه وتعالى وبيده ملكوت كلَّ شيء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق