اشراقات تاريخيةتدوينات

بيتا و اليابان .. والمشترك “تسونامي”


على الرغم من أن “تسونامي” اليابان وقع بعد (23) عاماً من حادثة بلدة بيتا إلا أن الحاج عبد الحليم أبو عامر يصف الأوضاع التي سادت بلدة بيتا آنذاك ب “تسونامي”. يقول أبو عامر “كانت الحادثة زي التسونامي، كانوا اليهود حريصين جداً إنه يخلوا أهل بيتا عبرة لأهل فلسطين والقرى المجاروة” ويوضح أبو عامر “كانت حادثة أليمة وحزينة، أول حادثة بتصير في فترة الانتفاضة بحجمها، بعدد الشهداء، بهدم البيوت ونفي الناس، كانت حادثة كبيرة جداً” .

لعل الاختلافات بين زلزال اليابان وحادثة بيتا كبيرة جداً، ولا مجال للمقارنة أصلاً، والاختلاف الأبرز هو المسبب.  فزلزال اليابان من ضمن الكوارث الطبيعية، ولكن حادثة بيتا كانت بسبب الاحتلال والمستوطنين وغطرستهم، كما أن النتائج المترتبة على كلٍ منهما مختلفة بطريقة واضحة ولكن يجمعها شيء واحد ألا وهو “الألم”. وهنا نحن بصدد رواية ما حل في بلدة بيتا في السادس من نيسان عام (1988).

في صبيحة اليوم المذكور كان الجو جميلاً ومشمساً. تفرق الناس كلٌ إلى عمله؛ باحثين عن لقمة عيشهم وقوت يومهم. بين أناسٍ شرعوا بحراثة أرضهم مرددين ” اللي ببيع أرضه ببيع عرضه” وبين آخرين تركوا الأرض في عهدة أهلهم وتوجهوا إلى العمل في الداخل المحتل. “كانت الساعة بحدود العشرة، بدأت السماعة في المسجد تقول في مستوطنين دخلوا على البلد.. في مستوطنين اقتحموا البلد في منطقة عين روجان” يقول أبو عامر. لم يتردد شباب البلدة في مواجهة المستوطنين بل ذهبوا وحاصروهم. ” من عين روجان طلعوا على عين عوليم، طلعوا الشباب حاصروهم، لما حاصروهم نزلوا من عين عوليم للواد، هناك في الواد بدأت الشباب أعدادهم تصير أكبر وأكبر” ويضيف أبو عامر” عدد المستوطين كان 16 أو 17 واحد، كانوا بجولات استفزازية، لما شافوا الأعداد كبرت صاروا يطخوا في الهوا، تصاوب موسى الفالح رحمة الله عليه في راسه من الخلف”

لم يكن الحاج أبو عامر ولا الذين معه مسعفين ولا يمدون للاسعاف بصلة لا من قريب ولا من بعيد، ومع ذلك شرعوا بإجراء اللازم ” أخذناه وحملناه ولفلفنا راسه واحنا في الطريق لعراك أبو تمام، بلشت الناس تيجي وتصيح هذا ابني وهذا ابني، واحنا كنا حريصين جداً إنه الناس ما تعرف من اللي تصاوب، اجت الاسعاف اخذته لنابلس وهناك استشهد”

تسارعت الرصاصات للخروج من مسدسات المستوطنين، وكأنها ترفض البقاء مع أولئك القَذَرَة، كأنها تقول لبعضها البعض هيا لنذهب إلى أناسٍ نقيين وشريفين ومقاومين، بدأ العد للسباق، انطلقت الرصاصات ووصلت الأولى إلى تيسير خريوش واستقرت في قدمه. يضيف أبو عامر” هجموا الشباب عليهم وساقوهم للبلد عند دار راجح، لما أخت موسى عرفت انه أخوها استشهد مسكت حجر وضربته للمستوطن وعلى ضوء ذلك هجموا الشباب على المستوطن فاستشهد الشاب حاتم عليه رحمة الله” اتسعت الحادثة شيئاً فشيئاً وانقلبت الدنيا راساً على عقب ” بدأت الأخبار تصل لليهود والاعلام حتى مونتي كارلو غطت الأحداث، بلشت تجي الدبابات تعبي البلد و الجرافات، بلشت الشباب تغادر للقرى المجاورة وصاروا اليهود يوزعوا مناشير على القرى وعلى البلد اللي عنده حدا يسلمه، حسب المتدوال فحوالي (800) جندي دخلوا البلدة وجرفوا مساحات كبيرة من الزيتون و مدخل البلد ”

لم يكتف الاحتلال بكل الأضرار التي أوقعها ، بل كان متعطشاً للمزيد من الدماء. اعتمد الاحتلال سياسة جديدة جربها للمرة الأولى على سكان بلدة بيتا ألا وهي ” سياسة تكسير العظام”، كانوا يمسكون بالشبان، يمدون أيديهم أو أرجلهم للأمام، يضربون عليها بالحجارة أو بعصا الفأس أو “الطورية” ويستمرهذا الرعب لحين تكسر العظام بالكامل.

بعد ما يقارب الثلاثين عاماً على حادثة بيتا إلا أن تصريح وزير الاحتلال آنذاك ” اسحاق شامير” لا يزال حاضراً في ذهن أهل البلدة. ” اسحاق شامير قال في الاعلام العبري يجب مسح بيتا عن الخريطة، يجب اقامة مستوطنة كبيرة في قرية بيتا”.

أكاد أجزم أن لأهالي بيتا صلة بأهل الخليل المعروفين بالعناد، ولعل هذه الصفة الملازمة لأهل الخليل أصبحت ملازمة لأهل بيتا منذ ذلك الوقت. يقول أبو عامر ” وقتها قالوا عمرو ما حدا في بيتا برمي حجر، بعد 10 أيام من الحادثة علقوا العلم الكبير على الجامع، الحاكم العسكري استدعى فوزي النوري وقله انتو مجانين ما بتتربوا .. ما بتتأدبوا”

بعد كل الخسائر التي لحقت ببلدة بيتا في تلك الحادثة، من قتلٍ و اعتقالٍ ونفي وهدمٍ للبيوت إلا أن ذاك الجيل لم يقاوم لتلك الفترة فقط بل قاوم للأجيال القادمة وسيظل يقاوم هو والجيل الذي يليه والذي يليه؛  لتبقى بيتا آمنة من أي بؤرة استيطانية قد تفكر يوماً بالاقتراب منها. مع كل الفروقات بين “تسونامي” اليابان وحادثة بيتا إلا أن الأخيرة لا يمكن نسيانها أبداً تماماً كما الأولى بالنسبة للشعب الياباني، يمكن وصفها على أنه حادثةٌ حدثت فكان حدوثها حدثٌ أليم!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق