تدوينات

يوم كان فكري مُلحداً

“يريد الله أن يمنع الشر، لكنه لا يقدر فهو بذلك ينفى عن نفسه صفة القدرة المطلقة، وإن كان يقدر، لكنه لا يريد فهو بذلك شرير، وإن كان يقدر ويريد فمن أين يأتي الشر ؟” هذا ما نص عليه الفيلسوف إبيقور في نظرية “الثالوث غير المتسق” إذ أكد بها استحالة اجتماع القدرة المطلقة، والعلم، والخير المطلقين في إله واحد .

أي إله رحيم يبعث مرض السرطان على جسد طفل صغير؟ وأي إله يدّعي السلام يُرسل على مخلوقاته الزلازل والبراكين؟ وأي إله عادل يرضى بقتل الظالمين المظلومين؟ وأي راحة وسعادة خلف الآلام والأوجاع؟ وأي خير خفي علينا تذوقه بوجود الشر؟ ، تساؤلات كهذه -ليست بعيدة عن النظرية- ،دفعتني لركوب أمواج بحر العلم والدين رغم معرفتي بوجود الدوامات .

الحقيقة المطلقة أن الإيمان بالله أو الكفر به ليس قراراً واحداً خالصاً يُحَكِّم علينا نعيم أبدي أو شقاء أبدي، فلكل نهاية مسار يربطها بنقطة البداية، إذ تكمن حقيقة المصير(النهاية) بوجود الإنسان (نقطة البداية) وحياته على هذه الأرض(المسار) .

يبدأ الإنسان رحلة حياته في البحث عن حقيقة الوجود، فيجدها بنفسه المفطورة على التفكر والتدبر أولاً ثم العالم من حوله، لتُظهر له آيات الله في خلقه فيراها تدل عليه، فتوصله إلى العقيدة الصحيحة وإن لم يكن إلى تمامها فحتماً يسير في طريقها .

قول الله “الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون” دليل صريح أن نفس الإنسان هي بمثابة مصباح للسير في الحياة إن كانت خيراً فخيراً لصاحبها، وإن كانت شراً فشراً عليه، ومن هنا تشقق جدار الفكر بالطَرْق عليه بكيف للإنسان أن يكون حراً بأفعاله وهي مكتوبة قبل ولادته؟ أو أن الإنسان مخير أم مسير؟، أُقابل ما ذكرته بقول العالم ريتشارد داوكنز “إن الكون في حقيقته مجرد مادة بلا خير ولا شر”.

“كوني مُلحد لا أؤمن بوجود الله؛ أي لا أُؤمن  بشيء لا أراه” منطق الإلحاد يثبت التناقض بنفسه، وينفي المنطق، فكثيراً ما نؤمن بأشياء لا نراها كوجود العقل؛ إذ نستقبل الأفكار نحللها ونتقبلها إذا اقتنعنا بها، ونجادل ونرفض إذا لم نقتنع؛ وبهذا نؤمن بما أقره العلم من وجود عقل للإنسان بمجرد تقبلنا أو رفضنا رغم عدم رؤيتنا له، كذلك الكهرباء في حياتنا نؤمن بوجودها بمجرد أن تنير المكان رغم عدم رؤيتنا لها .

ترتبط علاقة وجود الله بما ذكرته، أن المنطق الذي دفعنا للإيمان بأنه لا نور في المصباح إلا بوجود الكهرباء كان عليه أن يكون أكثر انفتاحاً ليدفعنا لتساؤل “كيف لِكون عظيم أن يُخلق بمحض الصدفة لا بوجود خالق أعظم؟”، كبديهة القول عند رؤيتك شجرة ضخمة أن شخصاً ما زرع بذرة صغيرة في باطن الأرض، وبهذا القول أُثبت نفي الإيمان بشيء لا يراه، وبذلك لا مانع للملحد أن يؤمن بشيء لا يراه طالما أن هناك أثر واضح، وهنا وصلنا إلى أن الله مالك الكون .

 ومن حقيقة أن الله خالق كل شيء، وهو المُسبِبُ لكل حدث؛ ف “مَن خلق الله؟”، هذا السؤال الذي إذ تفوهنا به نُعتنا بقلة الإيمان، لكنني أرى جُل الإيمان به، فالله الذي زرع في نفوس البشر حب التأمل والتفكر في ملوكته لم يكن إلا دافعاً لاستخدام العقل الذي وهبنا إيَاه، ذاك العقل الموسوم بالقصور أنتج أسئلة قادت بنا إلى إيجاد المسار الحقيقي .

لم تقتصر هذه التساؤلات في زماننا فقط، بل وُجدت في زمن الرسول أيضاً، كالرجل الذي قال “من سيتزوج من زوجات النبي لو قبضت روحه؟”، فنشبت الخلافات، وتداولت الأقوال حتى قطع الله أمرهم، فأنزل قوله تعالى “وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا” .

وبالرجوع إلى السؤال –من خلق الله؟- تكمن الإجابة في قصور عقل الإنسان الذي بات يقيس المخلوق بالخالق، فوجود طفل يُحتّم علينا قول أن له أب وأم؛ وذلك لأن فهمنا الدنيوي لهذه المسألة أثبت ذلك، وهذا فهم منطقي صحيح، لكن الأمر الذي يثبت قصور العقل أن نقيس وجود الطفل بوجود الله ؟ فالله أوجد المكان، والزمان، وهيأ الأسباب، ووضع الاقدار لِتجري على الخلق لا الخالق .

وبما أن الله خلق المخلوقات، ووضع لها القوانين والأحكام –الدين- لتكمل مسيرتها، بذلك يكون الإنسان مُسيّراً بأفعاله وأقوله لا مُخيّراً، وهذا ما اصطدمت به مركبتي، موجتين كبيرتين حُصرتا بعلامتين استفهام، العلامة الأولى لِم على البشر الالتزام بالأوامر الدينية المنزلة، في حال أن الله غرس في نفوسنا التفكر والتدبر، الذي يدفعنا لوضع أنسب القوانين للتعامل مع الكون من حولنا وبما يحقق الراحة النفسية، والعيش باتزان و سلام؟

أما العلامة الثانية فلِم خلق الله الجنة والنار، في حال أنه خلقنا وهو عالم بمصيرنا، وبالتالي نكون مسّيرين لا مُخيرين ؟

أيقنتُ أن الرغبة في المعرفة والبحث عن الحقائق وخاصة التي تمس وجودنا ومسارنا ومصيرنا لم يضعها الله في عقلي إلا لعلمه أن قلبي متعطشاً لنور الحقيقة أينما كان، وآتاني الله به .

وُلِدتُ لِأجد نفسي في إطار الوجود ممتلئة بالمشاعر الإقبال والإعراض، التفاؤل والتشاؤم، والأفراد كباراً وصغاراً، السماء والأرض، البحر والصحراء، بتُ أُشاهد الصراع المُعقد المتشابك حتى إنساب سيل الأسئلة المعتاد أين أنا ؟ وإلى أين ؟  و ما هذا السباق المحتم عليّ الفوز به ؟

عادت نفسي إلى المسار المعهود، وبدأت تُفتش في الطرقات عن إشارة تحدد لها اتجاه السر، حتى وجدتْ الدين، ثم باتت تمشي مترددة بين المنحدرات تُردد “من النقص أن يكون خالق الكون بلا دليل لتوجيه مخلوقاته”، لكن حاشاه الله من النقص؛ لذا بعث لنا دليلاً واضحاً وصريحاً وهو الدين على لسان الأنبياء .

أخبرنا الأنبياء بالدين الحق الذي هو بمثابة الرقيب في مسار وجودنا، وأرشدنا إلى الطريق الصحيح، لكن الأنبياء بشر فربما لم يكونوا صادقين، هذا أيضاً احتمال منطقي، إلا أن قصور العقل قد حصر نفسي بذات الزاوية، فمن غير المنطقي أن لا نبحث عن صدق رسالتهم؛ لأن حقيقة صحة الدين، وصدق الرسل تضعنا على مفترق طرق باتجاهين فقط …لو صدق قول الرسل أن للمؤمن الجنة، وللكافر النار، وذهبنا إلى الله دون اتباع الاشارة -الدين- ؟ سيكون رهان خاسر، ولا وقت لإدراكه لقد فات الأوان، أما بافتراضي صدق الدين واتباعي له من باب الفطرة والمنطق، والحرص، فسأكسب الرهان من خسارة نفسي .

آمنتُ بوجود الله وبعثه الرسل، وأن حياتنا الدنيا ما هي إلا ممر بتشعبين جنة أو نار، لكن ما فائدة هذا الطريق الطويل إذا كنّا مُسّيرين فيه، وأي حرية في اختيارنا إذا كان مصيرنا محدد من قبل خلقنا ؟ كدت أغرق بتلك الموجة الكبيرة حتى التهمت عيوني قشة، التقطها وبت أقرأ بين طياتها عن علاقة الخير والشر بمسار وجودنا واختياراتنا، وتمعنت قصة أهل السفينة –القصة المذكورة بسورة الكهف-، فلما أمر الله ابتلاء أصحاب السفينة بأن خرق سفينتهم التي هي مصدر رزقهم الوحيد، ظاهر الأمر شر مطلق، لكن لطف الله كان في أن نجاهم من شر أكبر وهو أن يسلب حاكم القرية الظالم سفينتهم .

إن الخير هو الجذع والشر هو الفرع الهش، فلا حياة أبدية لإنسان خيّر حتى تكون الأبدية للشر، ولو أراد الله أن يجعلنا مُسيّرين في مساراتنا لجعل بيننا أطهر البشر لاتباعه بكل أمور حياتنا، لكنها الدنيا اختبار نهاية المصير، فإن لم نكن أحراراً فكيف سيُقيم الله الحجة علينا ؟فالإنسان منزوع الإرادة هو كذلك محروم من رفاهية الاختيار .

يقول العلم –الذي تؤمنون به- إن الأمور تُعرف بأضدادها، فلولا الحرب ما شعرنا بالسلام، ولولا المرض ما تمتعنا بالصحة، ولولا البراكين لما عرفنا المعادن، إننا نجهل الكثير من علم الإنسان المحدود، فما بالك بالله العليم ؟

وجودنا في هذه الدنيا أشبه بِتقدُمنا لاختبار ما، علينا أن نضع الإجابات كافة ثم التسليم فقط، ليس من حقنا أن نعاتب الأساتذة على كيفية وضع الأسئلة، أو طريقة محاسبتهم لنا ..إننا نُسلِم لهم بذلك، -ولله المثل الأعلى- علينا أن نُسلِم أننا عباد الله وهو الرب الكبير، علينا أن نشكر بالسراء، و نصبر بالضراء، ونرضى بالابتلاء، ونحمد بالنعيم، لا أن نسخط ونتذمر من شاكلة الأسئلة .

أسألك يا من بيدكَ قلبي، أن تثبته على دينك، وأن تهبه هداية ورحمة من عندك، فاللهم انفعني بما علمتني، وعلمني بما ينفعني وزدني علما .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق