تدويناتتربوية

نِعَمٌ مُشْتَهَاهٌ بِضَجَر

أمام حاوية النفايات عجوز ينبش أكوام القمامة بحثاً عن لقمة يسد بها رمقه في الظهيرة.. وأمام محل تجاري كهلة تفترش الرصيف بعد منتصف الليل.. وعلى حافة درج جسر يقطع الشارع طفلة شريدة تغفو ببراءة في المساء..

وفي الوقت ذاته ربة بيت وأسرة تتذمر بضيق من شدة الملل لبقائها في البيت (محبوسة بين أربعة جدران) بحسب تعبيرها. وتتمنى لو تتاح لها الفرصة لترى الدنيا في الخارج، وتعاينها عن قرب!

برغم أنها في الليلة السابقة كما هو حالها كل ليلة، تستلقي في فراشها الدافئ الطري دون ألم يقض مضجعهما وهموم تطرد النوم من جفونها وجوع يلسع أحشاءها بلا رحمة.. تنام بأمان وسكينة دون ما يكدر حياتها سوى الملل.

*****

إحداهن تصف بجرأة أطفالها الأربع بقرود مشاكسة, وتشكُّ بأن يكونوا بشراً لشقاوتهم وكثرة عراكهم وضجيجهم.. وتندم على اليوم الذي تزوجت فيه وأنجبت، بعد أن حرمها وجود الأطفال لقاء الصديقات والخروج في رحلات والتفرغ للاجتماعيات كما كانت سابقاً.

وأخرى تنفق كل ما تملكه من مال على المراكز الطبية والمختبرات، وتمضي وقتها تطوف بين العيادات، علها تجد طبيباً يعالجها فيلبي رغبتها في أن تلد طفلاً يناديها: ماما.

*****

أحدهم يقاطع أخيه منذ سنوات وينكر قرابته وصلته، وآخر يتمنى لو أن أمه أنجبت له أخاً يسند ظهره ويعينه على نوائب الدهر.

*****

خرج للدراسة في دولة أجنبية، بلغ منه الحنين للأوطان كل مبلغ بعد أن طال غيابه.. طوال الوقت يتمنى العودة ومعانقة الأرض ورؤية الأهل والأحباب.. صديقه يبذل ما بوسعه ليهاجر من البلاد بعد أن سئم البقاء فيها ومحدودية الفرص وانعدام الحياة الرغيدة التي يحلم بها ويسمع عنها من شباب سبقوه في الرحيل.

*****

إحداهن تطارد الآخرين بلسانها، ونظراتها الحسودة: انظروا.. بيتهم كأنه قصر، وحديقتهم كأنها جنة.. يا إلهي! تمشى إلى جانب زوجها مثل الأميرات برغم أنها بشعة ولا تستحق! حتى أبناؤها يبدو الثراء عليهم في ملبسهم وسلوكهم.. نحن المساكين في هذه الحياة.. لو أن لنا ربع ما أوتوا لكنا الآن نغرق في النعيم إلى آذاننا، ولكن “الله يعطي اللحم لمن ليس له أسنان والحلق لمن ليس له آذان”..

وتتناسى هذه أن لها ببيت يسترها، وزوج يعولها ويلبي احتياجاتها، وعمل يكفيها حاجة الناس، وأطفال وسيارة متواضعة وصحة وعافية.. تشغل نفسها دائماً بما يمتلكه الآخرون، وتنسى ما منَّ الله به عليها.

*****

الطفل الصغير يربط تحقيق كل شيء بسر عظيم يتمنى حوزته:” عندما أكبر…”، وعندما يكبر الطفل فعلاً يتمنى لو تعود به الأيام مرة أخرى فيرجع طفلاً كما كان. وصدق القائل:

“صغيرٌ يشتهي الكبر** وشيخ ودَّ لو صغُر”

وهكذا.. يستمر الحال..

نِعم لا تُحصى نتمتع بها طوال الوقت حد الإهدار دون أن ندرك حقيقة قيمتها.. ودائماً ترانا ننظر إلى ما نفتقده ونربط سر السعادة به.. كم واحد منا ينتبه ويتذكر أن يشكر الله بكل قلبه على نعمه الكثيرة ويستشعر عِظمها وأهميتها؟؟ تذكر أن ما تشعر أنت بالملل منه، قد يكون غيرك يتمناه، وهو بأمس الحاجة له.

اعتيادنا على النِعم جعلنا ننظر إليها على أنها شيء عادي، برغم أنها ليست كذلك.. لذا تجدنا لا نشعر بها إلا حين نفتقدها ولا تصبح في متناول يدنا.

د. زهرة خدرج

كاتبة فلسطينية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق