اجتماعيةاشرقات ثقافيةتربوية

مُتنمِّرٌ أم متنمَّرٌ عليه!

التنّمُّر

في الصف الثاني الابتدائي كاد الحجر أن يقتلع عين سارة لولا لطف الله فيها؛ نعم لقد رماها سعيد زميلها بحجرٍ كبيرٍ لمجرد أنها فتاة! ومن ذلك الحين لم توّدُّ سارة العودة للمدرسة. وهناك في زاوية ساحة المدرسة تجلس رحيق التي لا تتجاوز السابعة من عمرها؛ هروباً من ألقاب أطلقتها عليها الفتيات لعدم امتلاكها ما لديهنّ من الجمال على حدّ قولهّنّ، أما ذلك الطفل صاحب الوجه المُدّوّر الممتلئ ذو الملامح البريئة, فلم يرد أحدهم ضمّهُ لمجموعته لأنه سمين!

 التنّمُّر, ظاهرةٌ تتمثل بسلوكياتٍ عدوانيةٍ متكررةٍ تندرج تحت أشكال مختلفة من العنف والإساءة وإلحاق الضرر والأذى، وغالباً ما تحدث هذه الظاهرة نتيجة وجود اختلالٍ في ميزان القوى والسلطة بين الأفراد, حيث يلجأ الأشخاص الذين يمارسون التنّمُّر لبعض هذه السلوكيات للحصول على مبتغىً يريدونه أو لنقصٍ لديهم سواء أكان نفسياً أو جسدياً أو اجتماعياً أو مادياً أو غير ذلك، أو نتيجة تعرّضهم للتنّمُّر في مرحلة معينة من مراحل حياتهم وذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.
هذ الظاهرة الشائعة تنتشر بين طلاب المدارس بشكلٍ خاص، حيث يبحث المُتنّمّر أو مجموعة المُتنّمرون عن شخصٍ في المدرسة سواء في الصف أو الساحات أو الطرقات، يجعلونه محطّ سخريتهم؛ فيجرحون مشاعره ويؤذونه نفسياً ويُضّيِّقون عليه ويجعلونه منبوذاً بين الطلاب في المدرسة، حتى يصبح كارهاً للمدرسة بما تحويه من مبانٍ وكتب ومواد دراسيّةٍ وزملاء وهيئةٍ تدريسيةٍ.

 الضرر النفسي هو الكُرَة الرابحة التي يسعى إليها المُتنُمِّر؛ فيبحث عن أيّ قولٍ أو لفظٍ كان لإلحاقه بالأفراد كالاستهزاء بالاسم أو اسم العائلة أو الشكل واللون والطول والجنس وأيّ صفةٍ تساهم في سلوكه العدواني، أو إلقاء النكات استهزاءً بالمُتنَّمَّر عليه أو التنابز بألقاب غريبةٍ مؤذيةٍ. إضافة إلى الإيذاء النفسي يكون التنمّر بسلوكياتٍ أخرى, فمنه ما يكون جسدياً وذلك بالضرب وتخريب الممتلكات أو الاستيلاء عليها، أو الكترونياً على شكل تهديدٍ عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال صور أو مقاطع فيديو تمَّ تصويرها للطالب بحيث يتم استفزازه والتسلّط عليه من خلالها.

لكّل داءٍ دواء، ولكل مشكلةٍ حل، فلا بد من استئصال مسبب المشكلة من جذوره, فأول الحلول يكمن بنشر التوعية بشكل أكبر حول ظاهرة التنّمّر وأسبابه وآثار التعرض له وغير ذلك, من خلال التغطية الإعلامية لها، لما لذلك دورٌ مهمٌ للتعرّف على كيفية التعامل مع التنّمّر أو حتى للوقاية من التعرّض لمثل هذه المشاكل, وبالتالي الحدّ من تفاقمها والقدرة على السيطرة عليها. وبسبب غزو التنّمّر بعض البلدان بشكل واضح، فقد وضعت بعض الدول قوانين للحدّ من هذه الظاهرة, فعلى سبيل المثال في سنغافورة تم سنّ قانون التغريم على المُتنّمِّر وأهله بمبلغ قدره 15000 دينار، وقد تصل العقوبة في بعض الحالات للحكم سجناً عليه لمدة سنةٍ كاملة.

قد يُلاحظ الأهل بعض العلامات على الابن الذي يتعرض للتنّمُّر كعدم الرغبة بالذهاب إلى المدرسة أو الكُرْهِ الشّديد لأيام الدوام والدراسة والكتب، وإيجاد الحجج الواهية للتغيُّب عن المدرسة كالمرض والتعب، أو التراجع في تحصيله الدراسي أو الانطواء والعزلة وقلة الاحتكاك بالآخرين سواء داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها, والامتناع عن اللعب والاندماج معهم، وأيّ فعلٍ مناقضٍ لما هو طبيعيّ أو معتادٌ عليه قد يبدُرُ من الطفل؛ كلُّ هذا قد يكون تنبيهاً للوالدين بأنه من المحتمل أن الابن قد يتعرض في مدرسته لشكلٍ من أشكال التنمُّر. وبما أن التنمّر يحدث في كثيرٍ من الحالات من الأكثر قوة على الأضعف أو الأكبر سنّاً على الأصغر فلا بدّ بدايةً من انتقاء الأصدقاء للطفل أو الطالب في المدرسة؛ بحيث يتم اختيارهم ممن يكونون سنداً وعوناً له في أي مشكلةٍ قد يتعرّض لها وبهذا يبدأ المتنّمّر التراجع عن إيذائه.

طرفان أساسيان هما الأهم في مرحلة علاج هذه الظاهرة، أحدهما المدرسة، حيث يتمثل ذلك بوضع برنامجٍ مدرسيّ واسع لتطوير ثقافة المدرسة بالمشكلة من خلال توعية الأهالي والطلبة بخطورة التنمّر على المدى القصير والبعيد، وتشديد المراقبة واليقظة التربوية لرصد حالات التنمّر لوضع خطط علاجية تخدم المُتَنّمِّر والمُتَنّمَّر عليه، وتنظيم أنشطةٍ مدرسيّةٍ لتنمية ثقة الطفل بنفسه واحترام ذاته والآخرين، إضافةً لذلك يجب تشجيع الطفل للتواصل مع الهيئة التدريسية أو المرشد التربوي في حال تعرضه لأيّ شكلٍ من أشكال التنمّر.

 أما الأسرة فهي الطرف الآخر والأهم في الوقاية أو العلاج، حيث أنها البيئة الأولى التي تؤثر بسلوكيات الطفل وتصرفاته، فلا تستهن بما يخبرك به ابنك, وإياك أن تخبره بأنه ضعيف، كُن المُشجّع الأوّل له دائماً، عزّزّ ثقته بنفسه، كُنْ معه في تفاصيل يومه كاملةً، ولا تجعل فجوةً تحول بينك وبين ما قد يتعرض له طفلك في المدرسة، فيتمادى المتنمرون في إيذاء طفلك.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق