اشرقات ثقافية

فلسفة الإدارة اليابانية

عندما نتحدث عن أي حضارة من الحضارات فإننا نتحدث عن إدارة لهذه الحضارات أو كما قال شيشرون الفيلسوف الروماني ما كان للحضارة الرومانية أن تقوم بدون الإدارة العامة، وهذا كان المنطق الفعلي والإساسي التي قامت عليه الإداره اليابانية من خلال إذكاء الحس الفردي والجماعي لدى العامل الياباني الذي أصبح أنموذجاً للعمل والتخطيط الإداري الذي من خلاله أنشئت الدوله اليابانية وأصبحت نموذجاً وقدوةً ناجزةً في العمل والتخطيط مقارنةً بالدول الأخرى.

قبل أن نتحدث عن فلسفة الإدارة اليابانية لابد أن نتطرق إلى سر نجاح التجربة أو ما تعرف بالمعجزة اليابانية والتي أشار إليها أحد الإخصائيين اليابانيين في الإدارة والتسيير عندما سئل عن سر نجاح التجربة اليابانبة أجاب أن الإعتقاد السائد هو أن اليابانيين يعملون أكثر من غيرهم، لكنهم في الحقيقة يعملون أفضل، إنهم كغيرهم يعملون 43 ساعةً في الإسبوع أي 2000 ساعة في العام بينما يعمل الكوريون 3000 ساعة في العام أي بزيادة الثلث ليست هناك معجزات أو خوراق، بل أن العامل في اليابان يتفوق في تأهيله الثقافي والمهني على زميله في أورويا الغربية والولايات المتحدة الإمريكية، إن الجامعة والمدرسة هما القوتان الضاربتان، وأما الذخيرة فهي الإنضباط الذاتي، فلا حاجة لتعيين جيش من المراهقين والمفتيشين يقضي نصفهم في حراسة النصف الأخر.

 إن سر نجاح التجربة اليابانية يدفعنا بعمق إلى قراءة أهم العوامل التي أدت إلى بلورة فلسفة الإدارة اليابانية وتطورها لتصبح من اعظم الفلسفات التي تؤسس لبناء الدول والحضارات والمجتمعات لعل أهمها:

أولاً: الوظيفة مدى الحياة:

توظيف العاملين في المؤسسات الحكومية في الدولة اليابانبة ليس من الإجراءات العامة المعمول بها في بعض المؤسسات في اليابان.

ثانياً: عدم التخصص في المهنة:

لا تشترط المؤسسات في اليابان التخصص الدقيق في المهنة فالموظف والعامل يمارسان أكثر من مهنة واحدة، وينتقلان من قسم لإخر وذلك للاستفادة في خدمة جميع الإقسام المنظمة التي يعملون بداخلها، وهذا التنقل يكسبهم تجربة مميزة مقارنة بالدول الأخرى التي تركز على تخصص بعينه مما تجعل الموظف مقيداً بعمله غير قادر على ممارسة أي أعمال أخرى.

ثالثاً: الترقية الوظيفية:

لا تتم الترقية الوظيفية في معظم المنظمات في اليابان إلا كل عشر سنوات وهذا الإجراء يطبق على كل العاملين بالموسسة.

رابعاً: الانضباط الذاتي:

هذا العامل مهم جداً في بناء الفلسفة اليابانية حيث يكون جوهره الموظف والعامل نفسه، حيث يعمل هذا العامل بدون أي توجيه أو رقابة من رئيسه في العمل، وهذا يجعل العامل أو الموظف أكثر إخلاصاً في عمله لإنه يدرك أن لا رقيب عليه سوى خالقه، ولهذا يسود داخل نفسه مشاعر العمل والإخلاص أكثر من نظرائه في الدول الأخرى.

خامساً: القرارات الجماعية:

تعتمد المؤسسات اليابانية على القرار الجماعي المشترك وهذه ميزة المجتمعات الأـخذة بالتطور والنمذجة الحقيقية نحو بناء عالم يؤسس للابداع الجماعي وليس الفردي، فالمؤسسات الحكومية في اليابان تشبه العشائر في عالمنا العربي حيث أنها مجموعات متألفة تربط أفرادها صلات من المودة والألفة والمحبة.

ولهذا السبب فإن المؤسسات الحكومية في اليابان ترتكز على عنصر المسؤولية الجماعية والذي أشار إليه كيسنجر قائلاً: يصعب عليك أن تتعرف مع من تتعامل في اليابان ولا يمكن أن تنسب النجاح إلى فرد معين، في الاجتماعات ترى كبيرهم يتكلم وكل من معه جالسون صامتون، تعتقد أن لا دور لهم في المناقشات وتكتشف لاحقاً أن السلطة لدى هؤلاء الصغار وليس كبيرهم لأن المسؤولية جماعية.

سادساً: الاهتمام الشامل بالفرد:

تولي المؤسسات اليابانية اهتماماً شاملا للفرد على إعتبار أنه محور العملية التنموية والإدارية داخل مجتمعه، ولهذا تسعى دوماً إلى الإحتفاء به وتكريمه ومشاركته أفراحه مما يسود بينه وبين مجتمعه حالة من الود والمحبة.

سابعاً: الإدارة الأبوية:

يتعامل المدير مع موظفيه وعماله كما يتعامل الأب مع ابنائه تارة يشجعهم، تارة يساهم في حل مشاكلهم العائلية كالزواج وماشابه ذلك، وهذا يولد لديهم عامل التضجية والعمل بشغف داخل المؤسسة حتى وإن كانت هناك حواجز تحد من مشاركتهم لإعمالهم اليومية، فعامل التضحية والانتماء للمؤسسة يدفعهم لتقبل أي خسارة ممكن أن تواجهها المؤسسة مستقبلاً.

خلاصة لما سبق إن نجاح فلسفة التجربة اليابانية في الإدارة لم تكن عشوائية أو إعتباطية بل كانت نتيجة للفهم الصحيح للمجتمع الياياني والذي محوره الفرد، وعندما تهم المجتمعات بالفرد وتضعه على سلمً أولوياتها عندئيذ تكون قادرةً على الإبداع وإحداث تطور نوعي في كافة مجالات الحياة وليس في جانب واحد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق