إشراقات سياسية

800 ألف مستوطن يزورون رام الله

قد يستغرب بعضكم زيارة 800 ألف مستوطن لرام الله دون أن ينتبه لهم أحد، ودون اعتراض أو مقاومة ولا حتى احتجاجٍ بسيط. مصدر الرقم هو تقرير لمجلس مستوطنات “بينامين” صدر قبل ثلاثة شهور، ونشره موقع 0404 المقرب من اليمين الصهيوني المتطرف، ويتكلم عن زوار المنطقة التابعة للمجلس خلال العام العبري السابق، حيث يطلق الصهاينة على منطقة رام الله تسمية بنيامين، وأنوه هنا الرقم لا يشمل زوار محمود عباس في مقر المقاطعة.

حسب التقرير فالوجهة الأولى لسياحة المستوطنين هي محمية وادي القلط التي تقع بين رام الله وأريحا، وبلغ عددهم 350 ألفًا، وتليها ما يزعمون أنها “شيلو القديمة” قرب مستوطنة شيلو شمالي رام الله حيث زارها حوالي 150 ألف مستوطن، وأعتقد أن الأرقام مبالغ فيها بعض الشيء لكن حتى لو كان الرقم الحقيقي نصف المعلن فهو كثير جدًا.

المستغربون يعتبرون أن رام الله هي فقط المدينة أو على الأكثر المناطق التابعة للسلطة في المحافظة، لكن المناطق المصنفة C (التي يسعى الاحتلال لضمها) هي جزء لا يتجزأ من رام الله، وهنا مشكلة كبيرة فنحن رضينا عمليًا بالمناطق التي حشرنا الاحتلال فيها، وقبلنا بالأمر الواقع الذي فرضه ومساعي تهويد المناطق C.

محمية وادي القلط ما زال بإمكان الفلسطينيين زيارتها وهي منطقة واسعة، عبارة عن عيون ماء وأودية وسط منطقة صحراوية لا يسكنها إلا عدد قليل جدًا من الفلسطينيين، يسعى الصهاينة للإستيلاء عليها وضمها فعليًا من خلال السياحة ثم ضمها لاحقًا بشكل رسمي كونها امتداد لمنطقة غور الأردن التي أعلنوا نيتهم فرض ما تسمى “السيادة الإسرائيلية” عليها.

أما ما تسمى “شيلو القديمة” فهي خربة سيلون الأثرية وتتبع قرية قريوت، وكان يسكنها عشرات الفلسطينيين حتى بداية الثمانينات عندما طردهم الاحتلال واستولى عليها وضمها لمستوطنة شيلو وحولها لمزار سياحي ديني، فحسب المعتقد اليهودي أقيمت أول دولة لبني إسرائيل في هذه المكان بعد دخولهم للأرض المقدسة (قبل داود وسليمان عليهما السلام).

يسعى الاحتلال لتهويد الضفة الغربية لأسباب استراتيجية وأخرى “دينية – تاريخية”، وبما أن غالبية المستوطنين يفضلون البقاء في محيط تل أبيب ويتحاشون الحياة وسط المناطق الفلسطينية في مرتفعات الضفة الغربية، يلجأ قادة المستوطنين وحكومة الاحتلال إلى تشجيع السياحة في الضفة.

والهدف الأساسي لهذه السياحة ليس ترفيه المستوطنين بل تثبيت الوجود الصهيوني في الضفة الغربية، لأنهم يؤمنون بأن بقاءهم محصورين داخل أسوار المستوطنات يعني أن وجودهم سيبقى مهددًا لذا يريدون الانتشار في أوسع نطاق جغرافي ممكن من خلال السياحة الداخلية.

وفي هذا السياق يأتي إعلان وزير الدفاع الصهيوني نفتالي بينت عن إنشاء سبع محميات طبيعية وتوسيع 12 محمية أخرى في الضفة، تمهيدًا لطرد سكانها من الفلسطينيين ثم يكون النشاط السياحي الصهيوني المكثف وسيلة لمنع الفلسطينيين من العودة.

ولا تقتصر أماكن الزيارة على المنطقة C بل ينظمون بالتنسيق مع الجيش زيارات لمناطق السلطة، وغالبًا ما تكون عنوةً ويتخللها صدامات مع الفلسطينيين مثل قبر يوسف في نابلس أو مقام النبي يونس في حلحول، وأحيانًا يخشى الناس الاعتراض فيكون الاقتحام بدون صدامات مثلما يحصل في السموع ويطا ومقام ذا الكفل في كفل حارث.

في الوقت الذي يستخدم الاحتلال السياحة من أجل فرض وقائع سياسية على الأرض، يتعامل الفلسطينيون مع السياحة على أنها مجرد ترفيه، فيتوجهون لتركيا أو يحرصون على زيارة الداخل الفلسطيني المحتل بالشروط التي يضعها لهم المحتل حتى يضمن تنشيط اقتصاده وأن لا يكون لها تبعات سياسية لا تخدمه.

هنالك مجموعات فلسطينية تنظم زيارات للمناطق المهددة بالاستيطان مثل عين الساكوت ووادي القلط ووادي قانا وعين العوجا وغيرها، ولمسنا مؤخرًا محاولات لتوجيه السياحة الداخلية إلى البلدة القديمة في الخليل لتعويض النقص السكاني الفلسطيني فيها، لكن ما زال الوعي بالسياحة السياسية متدنيًا في مجتمعنا الفلسطيني ولدى القيادات وصانعي القرار.

والأخطر من ذلك أن مجتمعنا وإعلامنا يقبل استباحة الصهاينة لأرضنا، فرقم 800 ألف ليس بالقليل، والاعتقاد السائد بيننا أنه ما دام دخلوا دون رضانا فلا توجد شبهة تطبيع ولا نستطيع فعل شيء.

حسنًا بإمكاننا فعل الكثير:

  • أولًا: علينا استيعاب حجم المشكلة فهذه الاستباحة لها تبعات خطيرة وأن الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية مهدد، وقد نصل في مرحلة ما مستقبلًا (لا سمح الله) نطالب بعودة الذين هجروا من رام الله ونابلس والخليل بدلًا من المطالبة بعودة الذين هجروا من يافا وحيفا، صحيح أن هذا السيناريو بعيد لكن إن سكتنا عنه اليوم ولم نفعل شيئًا سوف يصبح في المستقبل أمرًا واقعًا ولن نستطيع فعل شيء وقتها.
  • ثانيًا: يجب رفع التوعية بأهمية السياحة السياسية، وأن نستخدمها لتثبيت وجودنا على هذه الأرض وحمايتها من التهويد، وأن ندعم سكان هذه المناطق ونعزز صمودهم بكافة الطرق.
  • ثالثًا: رفع تكلفة السياحة الصهيونية من خلال المقاومة الدائمة، وعدم السكوت على جولاتهم السياحية فإن لم نستطع منعهم فعلى الأقل لنزعجهم ولنخيفهم وليدفعوا ثمن زياراتهم، فهذا سيقلل من أعدادهم في المستقبل ويضع كوابح لمشروع التهويد.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق