إشراقات سياسيةاشراقات أدبيةتدويناتمنوعات

قاصرات ولكن

في أول اعتقالي وبعد الليلة الأولى وفي الصباحات الباكرة حين تحلقت الأسيرات حولي للتعارف؛ بدأت أركِّب الصور والشخصيات على الحوادث التي تابعتها بدقة، وأكتفي بالصمت والابتسام والتحديق، ومحاولة التعمق في التأمل بالأحوال؛ أحوال المقيمات منذ سنوات بعيدًا عن الأهل والخلان، والحياة التي تنتهي معالمها عند أسوار المباني والأراضي الشاسعة المحتلة لتؤوينا! ويا لها من مفارقة بين أرض تُحتل، يناضل لأجلها الشباب، ثم تكون هي مرة أخرى الحضن الذي يؤويهم، أما التوحش الذي فوق الأرض فهو من صناعة هذا العدو الذي لا يألو جهدًا في تحويل ما تسمى “حياة” تحت القيد إلى جحيم!

مع القاصرات …

-1-

في أيامي الأولى، في الفورات، في المكان الصغير الذي احتشدنا فيه، عند كل تفتيش، كان يزيد حزني كلما نظرت إلى الأسيرات الصغيرات، أتذكر ما كنت أفعله في عمرهن، نشاطاتي، جامعتي، انطلاقي، شبابي، وأحزن من جديد، وأعود فأحمد الله على ما كان وما سيكون وما هو كائن.

-2-

وفي أيامي الأولى، والشهر الأول، رافقتني الصغيرات في كثير من الفورات، وتحدثن إليّ وبشكل ما شعرت بوصايتهن وكأنني في مثل عمرهن، وفرصة للاستقطاب بشكل ما، وفي عمرهن الغض هذا أسدين إليّ عددًا من النصائح بعضها لمست أنها قُدمت لهن يومًا ما، وكانت هذه نصائحهن: “اعملي كل الي ما قدرتِ تعمليه برا السجن” وهذه كانت كافية لتضحكني دومًا 😊، “استثمري الوقت في القراءة والكتابة” مع أنه في شهور الاعتقال الأولى هذا الموضوع صعب جدًا، “اتركي أثر طيب مش سمعة سيئة” وهذه لتجاربهن المختلفة مع الأسيرات، “مهم كثير تتقبلي التعددية، ومش ضروري شغلة حرام وحلال ع كل شي، وانصهري مع البنات” وهذه نصيحة ما كان لها سبب سوى تخوفات من الالتزام ومن بعض الخلافات التي تحصل مع العشرة والاحتكاك اليومي.

كانوا يسألوني “ليش ما بتحكي إلا إذا سألناكِ؟” وأنا كنت حريصة على فهم من حولي، وكانت المحنة مُلجمة لي في أيامها وشهورها الأولى!

أمام كل هذا الكلام كنت أكتفي بالاستماع والتبسم والتقبل، ولم أرغب بتذكير نفسي أني أعرف هذا الكلام ولم أرغب بإشعارهن بذلك فهن السابقات في المحنة، المعينات على محاولات التعايش.

-3-

كل حلم وكل خبر وكل تصريح كانت تراه الأسيرات بنظارة صفقة التحرير.

مطلع نيسان 2019 تم تداول أخبار عن صفقة، في اليوم التالي خرجنا إلى الفورة، رأيت منار الشويكي والتي اعتقلت في 15 من عمرها تجلس بحزن على أحد المقاعد، فبادرتها بالسؤال: مالك منار مش متفاعلة مثل البقية شو صاير لك؟

ردت بحزن ويأس: ع الفاضي، فقدت الأمل، كل مرة بحكوا في شي وما بنشوف شي، بالك بنروح؟

قلت لها: الصح الواحد ما يبني أمل ع أي شي أو يتوقع شي قريب، وإن شاء الله كلنا بنروح.

وقتها حزنت من قلبي عليها وع كل البنات، لأنه بطيشوا بشبر مي.

والسجن شو فيه غير ترقب أخبار الصفقة، وتفسير الأحلام بالحرية، وتداول بعض الروتين والملل في السؤال وشكل الحياة؟!

وقدر ربنا تروح منار قبل انتهاء حكمها بعام ونصف، وإن شاء الله عقبال كل البنات.

وإلى يوم الإفراج عني وأنا أحمل للقاصرات مشاعر مختلفة، حب خاص، عاطفة أمومة، حزن.

في اللحظات التي أدرت ظهري فيها للقسم كنت أتمنى حملهن معي في قلبي.

أكبرت وداع الأسيرة مرح بكير وهي التي تمتنع عن ذلك.

أكبرت دموع الأسيرة شروق دويات وهي القوية التي لا تبكي ولا تُظهر عواطفها.

أكبرت كل ما قدمته الأسيرات لي من دعم ومساندة وسؤال وحضن دافئ وأمل وجمال زيّن أيام الاعتقال، وسأبقى في كل ليلة وكلما أرقت؛ أجري معهن حديثًا قلبيًا باكية وراجية، وأرفع الدعاء لله عز وجل أن يعجل بالفرج عنهن؛ لا لأجل لقائهن وحسب، بل لأجل التحرر من الشعور بالمسؤولية تجاههن، عودتهن لأمهاتهن وإن لم تراهن العيون ستكون كافية، كافية جدًا.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

12 جمادى الأولى 1441هـ

07 كانون ثاني 2020مـ

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق