إشراقات سياسية

ما هي مناخات ومبررات نشأة الحركة الإسلامية في المنطقة؟

كل من تمكن من زمام الحكم استطاع أن يمتلك الشرعية الدينية بقدرٍ ما، وأن يضبط إيقاع الوعي الديني وفق ما يراه معززاً لحكمه وتحالفاته، وقام باستبدال أنماط التَدَيُن ومذاهبه وعقوله ومؤسساته قدر استطاعته وبما تتيح له أدوات الحكم وسطوته.

لكن، ومع مرور الوقت حصر تآكل في هيبته ولم يستقر له أمر السلطة الدينية بشكل كامل ونتج عن ذلك فراغ في المشروعية، فتفاعلت داخل المجتمع تيارات وقوى، نتيجة استحواذ الدولة على الدين ونتيجة تكميم سلطة الفقهاء.

حدث الصدام الأول بين الفقيه (العالم بأحكام الشَرعِ) والدولة، وبدأت الدولة تبحث عن أنماط تَدَيُن لا تزعجها، فأوجدت تيار ولي الأمر بتفرعاته التي عرفها التاريخ منذ ظهور القدرية والجهمية والجامية مروراً بالمداخلة.

نتيجته تعدي الدولة على وظيفية الفقيه تحولت مدرسة الفقيه من وظيفة دينية تقف على في الوسط بين السلطة والرعية، غير متحيزة في إقرار الحق وفق أحكام كتاب الله، تحولت إلى تيار عريض له رموزه ومريديه وأنصاره، طالب بالإصلاح.

زادت مناخات الإقصاء والظلم تجاه مؤسسة الفقيه عند انهيار دولة الخلافة وتشكيلاتها الاجتماعية والجهوية، وعندما سُلِب من الفقيه دوره التقليدي لصالح مؤسسات الدولة بشكلها العلماني بعد أن أخذت دساتيرها وتشريعاتها من الدستور الفرنسي، سيما في الأحوال الشخصية والمدنية.

تحول الفقيه في ظل الدولة التي ورثت الاستعمار إلى شخص محل استهزاء بين عديد الطبقات التي انتعشت منذ حقبة الاستعمار، حينما جردته من صلاحياته العديدة، لكنها لم تستطع أن تجرده من مبررات وجوده التي استقاها من أحكام كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام نتيجة أن فئات متدينة صمدت في وجه رياح العلمانية وتعرضت لجملة من مناخات القهر والتنكيل.

رغم أن الدولة العلمانية المتخبطة بين الماضي والحاضر سلبت الفقيه مجمل صلاحياته إلا أنه ليس بمقدورها إلغاء وتحريف كتاب الله، لذلك لم تُغلِق المعاهد الشرعية بل سعت للاستحواذ عليها وتطبيع مناهجها وتدجين روادها، وهي التي تُخَرِج مئات بل ألاف الفقهاء في كل عام، وتتركهم في العراء بدون عَمَل ولا مكانة كتلك التي استمدوها في ظل الدول التي تعاقبت على حكم المشرق العربي قبل الحرب العالمية الأولى.

حينها تحول الفقيه (الفقهاء) وأنصاره إلى تيار حركي واسع الانتشار، يقارع الدولة في عدة ساحات، نتج عن هذا التيار في القرن الحادي والعشرون ميلاد الحركة الإسلامية المعاصرة، التي هي ميراث لمدرسة الفقيه.

بينما اختارت الدولة شَكل من الإسلام لا يتقن دور الفقيه التقليدي صاحب الهيبة والوقار ومسموع الكلمة ومهاب الجانب، اختارت الدولة رجل الدين الذي يَسمَع ويَطِع وتبتزه ويطوع لها النصوص مثل محمد أمين الجامي وربيع المدخلي وغيره.

اختارت بعض الدول منذ أواخر القرن الماضي أن تمارس العلمانية السياسية بدون ترقيع ولا تدليس مثل تركيا التي احتوت جيش الفقهاء في إطار أحزابها المدنية الحديثة، وأشركتهم في ديمقراطيتها الكاملة، وأشركتهم في مشهد إدارة الحياة العامة، بل وصلوا إلى سدة الحكم وفق آليات التداول السلمي.

بعض مدارس الفقهاء اختارت الاستسلام والابتعاد عن الحياة العامة والانكفاء إلى زواياها في الجبال بعيداً عن ضجيج الحياة العامة، منذ القرن العاشر الميلادي، وعبرت عن نفسها ضمن بوتقة التصوف بمختلف مشاربها، لكنها لم تَسلَم من إغراءات الدولة، ومحاولات تدجينها وإعادتها إلى الحياة العامة واستخدمتها ضد الفقيه، تمت محاولة إعادتها بعد أن أفرغتها حركة التاريخ من الدسم.

بتنا نشاهد دعوات غربية وعربية سيما خليجية منها عبر منابر الإعلام ومراكز البحث العلمي تنادي وتدفع نحو الاهتمام بالإسلام الصوفي، كونه إسلام لا يمتلك مخالب، ومنزوع الدسم، تعتقد هذه الأطراف أن بمقدور التصوف أن يُكمل معادلة الحكم بهدوء لا يتخاصم مع العلمانية بشكلها الغير ديمقراطي.

دلالات ذلك ما يجري في عموم المشرق العربي من اعتقال وملاحقة وتجريد لرموز الفقه ومدارس الإصلاح، تخلل ذلك عدد من المؤتمرات التي تروج لفكرة التصوف كبديل، لعل أبرزها تلك التي حدثت في مدينة غروزني برعاية روسية في العام (2013 – 2014م) وتبعها مؤتمرات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وأبو ظبي، شارك فيها مجموعة من مشايخ ورموز الطرق الصوفية في العالم قاطبة.

يعلم أصحاب هذه الدعوات أن التصوف لا يمكن أن يشكل حالة، بل سيفقد زخمه ودوره بعد فترة بسيطة، وسيصبح عرضة للنقد والاتهام بالإرهاب عند أول تجربة حقيقية يقف فيها مع وجدان الأمة، لعلنا نتذكر مشهد إغلاق الزوايا الصوفية وثكنات الانكشارية عام 1826م في عهد السلطان محمود الثاني نتيجة وقوفها في وجه التغريب، كذلك ورغم تحالف الصوفية مع مصطفى كمال أتاتورك (1924 – 1938م) إلا أنه جردها من امتيازاتها وأغلق زواياها وبيوتها وراقب رموزها بل قتل العديد منهم بعد أن استقر له الحكم.

ختاماً:

أعيدوا للفقيه دوره ونشأته الأولى، وللدولة عدالتها، حينها ينتهي هذا الشطط الحاصل من تخبط بين ديمقراطية تزعج عروشكم لا تأخذون منها إلا القُشور ومعارضة دفعتكم إلى بيع بلادكم للغرب خوفاً من أن تعتلي تلك المعارضة عروشكم، وغرب استنزف مواردكم.

بما أن مؤسسة الفقيه تقليدية وقديمة لا تصلح كما تدعون فإن نمط حكمكم الوراثي أو العسكري هو تقليدي وبالي، لأن مؤسسة الفقه وولاية الأمير وعهدة العسكري في الحُكم أيضاً هي مفاهيم مرتبطة بموروث بلاد المشرق قديماً، وكانت منظومة متكاملة، لا يصلح أن يؤخذ بعضها ويترك الأخر.

لذلك أعيدوا للفقيه دوره التقليدي أو امنحوا الديمقراطية الحديثة أصولها ومناخاتها، حينها لن نجد مداخلة وجهمية ولا داعش وبوكو حرام ولا عنف مفتعل لا نعلم من هو سيده ومحركه، ولن يبقى من التصوف إلا الفردي منه، وستذهب طرقه وجماعاته، وحتى الإسلام الحركي ستنتهي مبررات وجوده، لأنه سيعود إلى أحضان مدرسة الفقه أو يعتلي مفاصل الحكم أو يتقاسمها هنا أو هناك في ظل التداول والديمقراطية على أصولها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق