اجتماعية

مظاهرة إلكترونية

في البداية سأذهب إلى النهاية حيث شهر كانون أول والذي فرض على قلمي كتابة هذه الكلمات، حدَقتُ في ذهني طويلًا قبل إخراجها إلى العلن سافرنا سويًا باحثين عن الجمال السرمديّ في هذا العام ولكن؛ أبى هذا الشهر إلا أن يصيبنا بشيء من هوائه الجاف من شدة برودته حتى أشار لي أن الجمال لعامنا الحالي فاني لا مكان له، إن المُفارقة واضحة بشكلٍ جليّ بين النهاية اليوم والنهاية قبل اثنان وثلاثون عامًا، كيف لنا أن نُظهِر الفرح لنهاية هذا العام والذي أعظم إنجاز تم خوضه فيه المظاهرات الإلكترونية المنددة والرافضة لأحداث الظلم والاضطهاد والتي سرعان ما تتلاشى لأنها تعاني من آنية الموقف وكأنها إحدى الطرق التي نتبعها حتى نرفع العتب والحرج عن قصورنا الذي بلغ عنان السماء.

قبل اثنان وثلاثون عامًا خرج الشباب الثائر يهتفون بالرفض حتى لا يُفرض عليهم بعضًا من سياسة الاحتلال وأعلنوها مقاومة بالحجر فقط، واستطاعوا الثبات على الموقف حتى بنوا لأنفسهم قاعدة مقاومة تحكم بناءً على شروطها التي وَضَعت، لقد كانت نهاية ذلك العام في تلك الفترة تكتب بمداد من الذهب كان عنوانها دفع الفاتورة من الدم الذي روى الأرض حتى قالها صراحة الكفُ في أيامي كانت تُقاوم المخرز.

عاد شهر كانون أول ولكن؛ فيه من الأسى الكثير يلملم ما تبقى من أيامه ويسترجع ما مضى لعل وعسى يجدُ شيئاً يتغنى به عند مُضيّ الزمن، نجح وكان صوت إحدى أيامه وجود حرة تصرخ بصوتٍ مرتفع وتطالب أريد حقي وحقَ أبي في الحياة أن نكون مجتمعين سويًا ولكن؛ سرعان ما تم تَرحيل تلك الفتاة إلى داخل هالةٍ سوداء اسمها الأسر، فأطلَ علينا والدها يُطمئننا قائلًا بصوت فيه الأسى: نحن يُحرَّم علينا البكاء حتى لا نكسر من هم خلفنا!

أيُّ قلب هذا الذي يملك وفيه الحنين والقوة في آن واحد، في الوقت الذي قُمنا بمظاهرةٍ إلكترونية خجولة كان عنوانها هاشتاك اعتقال الحرة بُشرى الطويل حتى تم شطب كلماتنا المنددة على مواقع التواصل الاجتماعي.

يسير عداد الزمن في شهر كانون أول وتسير بنا المحاولات لتحديث حالاتنا لعلنا نجِد ما يثلج الصدر، ولكن نستيقظ على ما يدمي القلب من شدة الأسى لقد تم اعتقال حرة أخرى والتي علمت ضعفنا وهواننا بشكلٍ فطريّ فطلبت بشكل متواضع الدعاء لها بديلًا عن الفعل!

وفي الوقت ذاته طالبتها أمها أن ترتدي معطفها لتحصل على شيء من الدفء الذي انعدم مع اجتماع الظلم ونهاية العام في آن واحد!

أما نحن فأعلناها من جديد مظاهرة إلكترونية، حتى قال أحدهم يصف حالنا عندما طالبتنا شذى نواف بالدعاء لها: ” صرختها أيقظت فينا الضمير ولكن؛ غدًا ننسى ونكمل يومنا بشكل عادي، هي ارتدت معطفها ونحن ارتطمنا بالحائط “.

إن المُزعج في مواقع التواصل الاجتماعي هو الاعتماد عليها واعتبارها بديل أساسي عن الفعل بشكلٍ دائم حتى أننا اعتدنا على رفع العتب عن أنفسنا بكلمةٍ هنا أو هناك.

والذي لم يكُن بالحسبان هو أن تلاحقنا العنصرية في مقاومة الظلم والاضطهاد على مواقع التواصل الاجتماعي، لا أُنكر أن لمواقع التواصل الاجتماعي محاسن في نقل جزء من الصورة المُغَيَّبة عنا لأعوام والتي ظهرت بشكلٍ جليّ في خضم الثورات العربية ضد الديكتاتورية حتى أنها حررتنا من صورة الخبر المُسَيَّس والذي يقتصر على الصورة التي يرغب بنقلها المُمَوّل فقط.

ولكن اليوم، أصبحنا نعاني الاحتلال الإلكترونيّ والذي يلاحق كل محتوى يُشير بشكل واضح إلى الظالم نفسه، حيث قام موقع “فيس بوك” بملاحقة المُحتوى الفلسطيني الذي يدعوا إلى مقاومة الاحتلال حتى لو كان ذلك بالكلمة واعتمد سياسة حذف الحسابات والمنشورات لكل رافص لأي ظُلم.

إن الذي أوصلنا لهذه المرحلة هو القبول بالحلول المُجزأة فبدلًا من مقاطعة الموقع لساعات يتم تحديدها خلال اليوم والذي يؤدي بدوره إلى التأثير الاقتصادي السلبي نوعًا ما على الموقع، أوجدنا البدائل حتى لا يتم حذف الحساب وذلك من خلال كتابة الكلمة إما مُقطَّعَة أو كتابة حرف بديلًا عن اسم موجود ضمن قائمة الممنوعات، واعترانا الظنّ أننا انتصرنا على مؤسس الموقع، ولكن إن الخطورة من وراء إيجاد تلك البدائل كبيرة على المدى البعيد حيث تمس جوهر اللغة العربية لقد غاب عنا أن الأطفال يقرؤون تغريدات ومنشورات هذه المواقع ومن خلال تقبل الأمر الواقع سيتبادر لأذهانهم أن الشكل المكتوب هو الصحيح، فبدلًا من تقليص الفجوة بين أطفالنا واللغة العربية الفصحى سيكون من الواجب علينا المحافظة على المستوى الموجود لديهم من اللغة المحكية، إضافة إلى تقبل سياسة الرضوخ والخنوع لكل ما هو مفروض بطريقة أو أخرى.

إننا نُعاني اليوم من افتقادنا لعنصر قوة الإرادة والثبات على الموقف حتى تحوُلنا الإلكتروني قوبل بالخوف فأصبحنا نخشى تنظيم مظاهرة إلكترونية نكون إحدى المشاركين فيها حتى لا يتم حذف الحساب أو الملاحقة والتهديد بالاعتقال لقد تحولنا من بركان على الأرض إلى منشور في الفضاء الإلكتروني سُرعان ما نقذف من خلاله ما في قلوبنا من الغضب الذي اعترانا على شكل كلمات مجزأة الحروف وكأننا في داخل حصة عروض شعري! لقد تقبلنا فكرة عسكرة التكنولوجيا وتعايشنا معها.

وعلى الصورة المقابلة والذي يبعث الطمأنينة في النفس أن هناك ثُلّة من الذين اصطفاهم الله تعالى للعمل والمقاومة دون غيرهم ولا يضرهم دفع ثمن مواقفهم من أعمارهم وهم الذين ما يزالون ينظمون مسيرات الرفض على الأرض لعلهم يعيدون المجد للوطن، إنهم الذين يعملون وفق الآية الكريمة:” وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”. صدق الله العظيم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق