خواطر

رسالة إلى إسراء الجعابيص

عزيزتي إسراء:

لا أكتب رسالة إلى رئيس ولا إلى وزير ولا إلى منصب مرموق من مناصب الدولة ، و لكن تقفُ حروفي خجلى مبعثرة أمام سيدة هذه الأرض ، و أقف أنا وراءها ألملمها علّها تفِي بالغرض، و أبكي كثيرًا إذا بوّئت محاولتي بالفشل. جميلتي ، أقول جميلتي وأنا أرى الياسمين بين تجاعيد وجهك المبكرة، و أرى وطني يقف على راحتيك اللتين أشعلت أصابعها العشرة نورًا له ، و أرى اسمي في صبرك ، و أرى اسمك فيكِ ، فوجهُ العافية هو وجهك ، و وجه البلاد هو وجهك، و كل أماني اللاجئين تقودهم إليك ، و ترضى أعلى منازل المجد تحت قدميك.

تنامين كل يوم على البرش ، و لا تنامي في مخيّلة طفلة رسمتي لها (البلياتشو )يومًا ، وهرّجتي لها بزي المهرج الضاحك الذي كان يداري أكوام الحزن و التعب على جبينك ،وتبقى خالية من كل شيءٍ سواك ، وكلها شغفٌ نحوك،تسمع حسيسك وتئن كلما أننت ،تسخط كل من يخنق البلابل ويقتل العصافير ، تحاول خلق حديث أو تحنيط تذكار معك ، تجمع مصروفها لتشتري لك الورد ،تدعو الرب أن تكون طيرًا يحطُّ على نافذتك ، أو لحنًا من ألحان السلام على مسمعيكِ .

أعتذر لك عن كل مرة انتظرتي بها الشمس ولم تأت ،وعن كل مرة أكلت فيها الرطوبة أحلامك ، و عن آخر مرةٍ نظرتي بها إلى المرآة المكسورة في غرفة السجن ، وعن كل مرة عزّ عليكِ ماضيكِ ، و عن كل مرة كان صدرُكِ فيها ضيّقًا حرجًا كأنما يصّعدُ إلى السماء ، وعن كل مرة ظننتي أن ثورةً ستقام من أجلك .. ولم تقم!!

و عن كل مرة بلغت منك المرارةُ كل مبلغ وكدتي أن تصلي موضع قدمي الشوق للزنابق البيضاء، و عن كل مرة لم أذكرك في صلاتي ، وعن كل مرة لم تعيشي فيها لحظات الفرح القليلة في بلادنا ، عن كل صيفٍ لم تذهبي به إلى الشاطئ ولم تأكلي فيه (الآيسكريم)،وعن أول يوم في المدارس ، عن كل ” رمضان جانا وفرحنا به بعد غيابه ” ، وعن كل ليلة عيد ،

وعن كل بداية شتاء ، وعن كل نهاية أسبوع دافئة ، وعن كل المواسم ، و عن كل برامج”التلفزيون”المفضلة ،و حناني إليك على كل دمعةٍ سالت على وسادتك في جوف الليل ولم يعلم بها أحد ، و لله درُّك في كل مرة تمنيتي لو أنك متِّ قبل هذا أو كنت نسيًا منسيا ..

أدري أنه لا جدوى لك من اعتذاري المُبلل، ولا جدوى مني إلا أن أعتذر .. والسلام .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق