إشراقات سياسية

إلى أين تسير القضية الفلسطينية؟ رؤية استشرافية

تمر القضية الفلسطينية في هذه الإيام بمنعطفات حطيرة للغاية لعل أهمها غياب الوحدة الفلسطينية التي تشكلُ صمام الإمان لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

لعل أهم المحطات التي مرت لها القضية الفلسطينية وأولها سوداً ومأساويةً هي النكبة الفلسطينية التي حدثت عام 1948 والتي على أثرها تم تهجير ما يقارب 800000 فلسطيني قسراً عن بلاده، وتشريده في أصقاع العالم ليعيش مشرداً لاجئاً، في حين ينعمُ الصهاينة بوطن قومي لهم، ويتمتعون بخيرات فلسطين، بل يؤسسون كيانات لهم داخل فلسطين، ويعاملون ما تبقى من سكانها بطريقة وحشية لا مثيل لها.

لم تتوقف الحكاية عند النكبة الفلسطينية، لتحل مرحلةً أكثر سوادويةً في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والتي عرفت بالنكسة الفلسطينية والتي على إثرها تم طرد وتهجير الفلسطينين إلى دولٍ عديدة في مرحلة ثانية والفرق بينهما 19 عاماً بدون أي تحركٍ عربي يلجم هؤلاء الصهاينة أو حتى يحرك ساكناً، بل بقيت إسرائيل تستفرد بالقضية الفلسطينية جزءاً جزءاً حتى تعمل على إفراغها من مضمونها الداخلي، وتصبح قضية هدفها فقط تأمين الاحتياجات الاساسية كبديل عن المقاومة التي هي حق أساسي كفلته كافة الشرائع الدولية.

أمام هذا الواقع الاليم أنطلقت الانتفاضة الفلسطينية كرد فعلٍ لإسترداد حقوق الشعوب المقهورة في الدفاع عن ثوابتها التي لإجلها أنطلقت وناضلت لسنواتٍ قدمت خلالها الأسرى والجرحى والشهداء دفاعاً عن أنبل قضية عرفها التاريخ الحديث المعاصر إلا وهي تحرير فلسطين، إلا أن سرعان ما أنطفأت هذه الشمعة مع توقيع أتفاق أوسلو عام 1993 م وما نتج عنه من سلام وهمي بين منظمة التحرير وإسرائيل والذي أجهض بشكل مبكر، لتحل محله الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 والتي أظهرت حقد الصهاينة تجاه أقدس مكان عرفه التاريخ إلا وهي القدس ظناً منهم أنهم قادرين على ردع الفلسطينين ومنعهم من الصلاة داخل مسجدهم، فكانت النتيجة شهداء، جرحى، أسرى، أنتهت بحصار الرئيس الراحل ياسر عرفات في مقر المقاطعة برام الله ليلقى ربه شهيداً مدافعاً عن أمته ووطنه.

عقب الإغتيال التي تفذته إسرائيل بحق الرئيس الراحل ياسر عرفات، شهدت الساحة الفلسطينة فراغاً كبيرا في كافة المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، تمخض عنها انتخاب الرئيس محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية، وانتخابات تشريعية ومحلية أسفرت عنها فوز حركة حماس بإغلبية ساحقة في كلا من الانتخابات التشريعية والبرلمانية، فكانت النتائج مقاطعة كتلة فتح البرلمانية لتشكيل حكومة فلسطينية، واعتقال النواب والوزراء من قبل اسرائيل، وتعطيل عمل المجلس التشريعي، وخلق حالة من الفوضى داخل الشارع الفلسطيني، بهدف إرغام حركة حماس على تقديم استقالتها، فكانت النتيجة الحسم العسكري في قطاع غزة والتي نقذته حركة حماس نتيجة للفراغ الامني واستغلال تلك الحالة لإغراض شخصية.

ما بعد الحسم العسكري؟

لم يطال الحسم العسكري بأبعاده السلبية قطاع غزة كونها الجهة المنفذة للحسم، بل طال أيضا الضفة الغربية بل شطري الوطن بإكمله تمخض عنه إعتقالات تعسفية، فصل من الوظيفة العمومية، بل وصل الحد إلى الإعتقال والموت داخل السجن، مما زاد الطين بلة أن تلك الممارسات انعكست سلباً على البناء الاجتماعي للنسيج الاجتماعي الفلسطيني، مما زاد من حدة الاحتقان والعداء داخل البيت الواحد.

ماهو المطلوب:

رؤية استشرافية الواقع بحاجة إلى رؤية استشرافية شاملة تطال كل الجوانب والسياقات، فالقضية الفلسطينية ليست بعداً أو سياقاً يمكن تناوله في سياق مختلف عن الأخر لعل أهمها: الوحدة الفلسطينية صمام الامان للحفاظ على مكتسبات الوطن وهذا لا يحتاج لكلام النظري بل يحتاج للتطبيق العملي من كلا الاطراف.

إن تطبيق الوحدة الوطنية الفلسطينية بلا أدنى شك سيدفع كلا من حركتي فتح وحماس ومعها فصائل الشعب الفلسطيني مجتمعة إلى رسم برنامج فلسطيني موحد يسعى الى بناء دولة فلسطينية بدون أي تدخل غربي أو أجنبي في ذلك.

التقليل من الاعتماد والتبعية المطلقة على الغرب في مسائل حقوق الانسان والاسرى، والسؤال المطروح من ساهم في احتلال فلسطين هل سيساهم في حماية حقوقها وحقوقها معتقليها؟ عدم التعويل التام على العرب في مسائل تحرير فلسطين، فالتاريخ أثبت وما زال يثبت نفسه بأن الامة العربية غير قادرة على تحرير نفسها من التبعية للغرب، فهل هي قادرة على تحرير قلسطين؟ الدول العربية التي يعاني أبناؤها من ويلات القمع تارة وغياب الامن المعيشي تارة أخرى لن تكون قادرةً على رسم برنامج عربي موحد لتحرير فلسطين.

المحافظة على الارض الفلسطينية قدر المستطاع من خلال توفير برامج داعمة للمزراع الفلسطيني، حتى يبقى متشبث بأرضه ووطنه، حرصاً على عدم الإفراط بها ومحاولة إسرائيل شراؤها وإقامة عليها بؤر إستيطانية وتثبيت أحقيتها في المنطقة. تعزيز العلاقات الفلسطينية العربية قدر المستطاع والنأي عن التدخل في شؤونها الداخلية، حتى تعزز تلك الشعوب من وعي شعوبها بعدالة تلك القضية وأهمية مسارها التاريخي والإنساني الذي أنطلقت من أجله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق