تقارير

على جنحان منظومة الفن المقاوم سيتجه محمد للأقصى فاتحاً أبوابه

كان حقاً على محمد الذي عاصر الانتفاضة وعاش وقائعها أن يسرج من سنين عمره زيتاً تضاء به قناديل الأقصى، وأن يوقف نزفه الفلسطيني بكل ما أوتي من قوة ليعيد لبلاده حدودها على خارطة بدت ملامحها باهتة بسبب التهويد، ليكون تحرير الأقصى من براثن المحتل أكثر ما يطمح له محمد ثريا .

محمد ثريا 39عاماً ولد في منطقة الشيخ رضوان، أب لسبعة أبناء، يستقر في مخيم الشاطئ درس هندسة الاتصالات في مصر، ثم الماجستير في الجامعة الإسلامية في إدارة الإعلام، ودرس الدكتوراه، ويعمل محاضراً في الكلية الجامعية، بيته الأول في مجاله الإعلامي إذاعة الأقصى ثم انتقل للمرئية وبعدها للفضائية، ليستقر به المطاف مديراً لقناة الأقصى، كما وشارك في تأسيس وكالة شهاب وشركة الرباط إذ أنتج أعمال فنية كان أولها “فر الغزاة واندحر جيش اليهود”، وذلك بعد أن جر الاحتلال أذيال هزيمته وولى من غزة عام 2005، وبعدها بدأ ثريا تجاربه البسيطة في المونتاج التلفزيوني، ولكن بسبب الحصار لم يتعاون معه إلا القليل ليبدأ العمل بجهود فردية، وأنشئت الفضائية بالعمل على مدار الساعة .

باكورة العمل الدرامي والأكاديمي

يخبرنا محمد عن ظروف عاشها خلال حروب عجاف على قطاع غزة عمل فيها مسؤول ميداني : ” وجود العمل في الحروب وحالة الطوارئ يصقل الشخصية ويعطي القوة رغم قلة الأجهزة والإمدادات، إذ تمرنا وتمرسنا حتى أصبحت قناة الأقصى رقماً لا يستهان به”، بمشاعر ملؤها التحدي والإصرار يحدثنا محمد عن استمرارية القناة وعدم توقفها رغم العقبات” فالشعار نقشناه على جدار قلوبنا نموت وتبقى القناة، فرغم استشهاد بعض العاملين، صحيح أنهم قضوا نحبهم لكنا استمرينا على ذات الطريق وستبقى الأقصى نموذجاً للإعلام المقاوم المناضل”.

ومع استمرار عمل القناة تم تصنيفها من قبل الخارجية الأمريكية أنها إرهابية إذ تم حجب موقع الأقصى أكثر من عشر مرات ،فكل يوم يتم حجب مواقعها على وسائل التواصل ونحن نقوم بعمل مواقع جديدة تحدياً وإصراراً.

التفاف جماهيري

وعن ظروف القناة قبل حرب 2008 يخبرنا ثريا عن شح في كميات الوقود، فقام الكثير من الناس بقطع الكهرباء عن بيته ليعطيها للقناة، ومما أثر فيه أن أحد الأشخاص أحضر لترين من الوقود وقال له:” احنا بنصبر عالعتمة لكن قناة الأقصى بتصبريش عالعتمة.”

وبدا تأثر محمد واضح خلال استحضاره الموقف ليؤكد أن الشعب الفلسطيني لديه إدراك للمقاومة بشكل جيد، فقناة الأقصى كانت روح المقاومين في الميدان تعزز من صبر الشعب الفلسطيني وثباته، تربط على الجرح وتنقل للعالم جرائم المحتل .

فقدان وألم

ثلاث حروب عجاف عاشها محمد كانت كفيلة بأن ترسم على مخيلته مواقف لن ينساها منها موقفه الأخير مع الشهيد عمر السيلاوي أحد موظفي القناة، خلال حديثه انخفضت نبرة صوته وبدت ملامح وجهه حزينة عندما أخبرنا عن آخر لحظات الشهيد عمر السيلاوي بعد تناوله الفطور معه:” أنا حاسس إني حستشهد” قالها الشهيد فأخبره محمد أنه يتوهم، وبالفعل بعد دقائق معدودة جاءه نبأ الاستشهاد وتقطعت أحبال كلماته عند تذكر نبأ الاستشهاد إذ سكت برهة من الزمن لتكون الدموع هي سيدة الموقف.

” عندما تفقد أحد الموظفين فأنت تفقد أخاً تشاركه كل تفاصيله.” قالها محمد عن استشهاد حسام سلامة الذي استشهد في سيارته خلال حرب 2012 ،”هؤلاء الناس فدوني بأرواحهم” قالها محمد وقلبه ينزف شوقاً لإخوة أخلصوا نواياهم فصدقهم الله.

ومن الشخصيات التي تركت بصمة في شخصية محمد، فتحي حماد الأب والقائد المتواضع كما يصفه ثريا ” له الفضل بعد الله في صقل شخصيتي” كما أكنى الفضل للدكتور حازم الشعراوي ووالديه.

وفي خضم أعماله وانشغالاته اتفق وزوجته ” مش حنلاقي وقت في الدنيا حنلاقييه في الآخرة عند الله” ليكتفي بالالتقاء مع أبنائه ببضع دقائق بعد صلاة الفجر، ويحدثنا نحن مقصرين بحق أبنائنا وزوجاتنا لكن في سبيل الرسالة، فالشعب الفلسطيني يستحق فنحن لسنا أقل من الشهداء الذين ضحوا على هذا الطريق، فنحن ننام في بيوتنا وغيرنا لا ينام مرابط على حدود الوطن، ونحن نأكل وأسرانا يضربون عن الطعام.

إنجازات رغم العقبات

أن تبقى فضائية الأقصى علامة فارقة في الإعلام الفلسطيني هي أهم إنجازات ثريا، إذ كانت القناة تحظى بالمركز الأول والثاني “وهذا من فضل الله” تلك الكلمة أخذ يرددها محمد بعد كل إنجاز يذكره، أخلص محمد فكان النجاح حليفه في معظم محطاته العملية والفنية .

كما وأنتج أعمال درامية مقاومة منها الفدائي، وبيارة الموت، والفيلم الكرتوني للشيخ أحمد ياسين الذي كان نقلة نوعية في العمل الدرامي إذ تمت ترجمته لعدة لغات، وأما عن حلم محمد الذي أصبح حقيقة وإنجازاً يضاف إلى تاريخه الإبداعي هو إنشاء مدينة الإنتاج الدرامية في خانيونس، مدينة إن دخلتها ستفتح أبواب قلبك، وترتعش أحبال شوقك للأقصى، فكلما رأيت تفاصيلها ستلفحك رياح الحسرة والشوق لزيارة القدس.

وعن رحلته في مدينة الإنتاج يروي لنا محمد قيام أناس بتصوير الأقصى بحواريه وزقاقه لتبنى المدينة كما الأقصى تماماً، فتم بناء تلك الحارات والمنازل كما هي في زواياها وأركانها وهذا ما دفع العمادي الوزير القطري للقول عند زيارته المدينة: ” مستحيل يكون هادا شغل بشر” إذ انتهى بناء المدينة في أقل من مئة يوم ،فالعمل متابع لحظة بلحظة على مدار الساعة حتى حرم بعضهم النوم.

تعمير الخراب

كيف للعقل الفلسطيني أن يهزم كيف له أن يتوقف وجذوة التحرير أمامه تنتظره، تمد يديها إليه وهذا ما جسده محمد، عندما أخبرنا بوجود هدف ورسالة من بناء المدينة على خراب مستوطنات المحتل عندما فر من غزة فكانت الرسالة” أن الاحتلال يخرب ويهدم ونحن نعمر وننتج” وهذا ما دفع الاحتلال لإرسال طائرة تصوير خلال إنتاج المدينة، وبعدها منع بعض المعدات التي تم استخدامها وأوقف تصريح الشركة التي كان العمل معها، ولم يكتفوا بذلك بل أرسلوا له تهديد شخصياً بتهمة التحريض على الإرهاب من خلال هذا العمل.

لكن الجهود مستمرة والعزيمة مازالت قوية شامخة وهذا ما لاحظناه خلال حديث محمد عن تخطيطات جديدة لتوسعة المدينة ببناء مصلى مرواني وقبة الصخرة وهذا ما سيتم تجسيده في مسلسل بوابة السماء الثاني، فسيتم التركيز على المرابطات في المسجد الأقصى وحلقات العلم فالسيناريو جاهز مضيفاً: “لأننا نؤمن أن الإمكانيات تأتي مع الإخلاص والاقتناع بالعمل”. وأطلعنا على الصور والفيديوهات الخاصة بمدينة الإنتاج ليؤكد لنا أن الدراما اليوم تحارب وتؤثر تأثيراً كبيراً، فكما يشوه المحتل صورة المقاومة في مسلسلاته نحن سنشغل على درامتنا المقاومة ونحاربهم بها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق