شرعي

الاستغفار بمفهوم آخر

خلق الله العديد من المخلوقات وكان من بينها الإنسان الذي شرفه الله وكرمه واختبره بالعبادة الاختيارية ، وجبله على الضعف والشهوة والعقل والإرادة ، وأحاطه بعوالم مؤثرة فيه ، من لمة مَلَك ووسوسة شيطان ، وتنازع فيه بين إرادة الخير والشر ، وفي خضم تصارع الإرادات لديه ونمو وعيه وعقله فإنه يصيب ويخطئ ،

كما أخبر النبي عليه السلام ( كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون) فمن آدم عليه السلام الذي عصى ربه بأكله من تلك الشجرة فتاب وأناب إلى قيام الساعة يبقى الخطأ ملازما للإنسان إلا من عَصمه الله ،

فهي إرادة الله للبشرية التي يوضحها النبي عليه السلام بقوله (لَوْ أَنَّ الْعِبَادَ لَمْ يُذْنِبُوا لَخَلَقَ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- خَلْقًا يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُمْ) وأمام هذا الواقع فالحل هو الاستدراك عند وقوع الخطأ بالتوبة والإستغفار والاستبدال ، وهو باب مفتوح لا ينقطع على صعيد الأفراد قبل الغرغرة ، ولا على صعيد البشرية مالم تطلع الشمس من مغربها ،

(فإن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء  النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) حتى مع تكرار الخطأ فإن  (الله لا يمل حتى تملوا) ، و يسعى المؤمنون في سبيل نجاتهم وفوزهم  في الآخرة ورقيهم وعمارتهم للأرض  في الدنيا للإستغفار والتوبة ، لكن بعض الناس قصروا الإستغفار على أقوال يرددوها بألسنتهم  دون تغيير لأحوالهم ، والأصل أن الاستغفار من الذنب توبة عنه ، والركن الأعظم للتوبة هو الندم ثم العزم على عدم العود ،

وإن كان ثمة حقوق للناس في الذنب فلا بد من ارجاعها ، وإلا فالاستغفار ناقص والتوبة فاقدة لأركانها ،

فإن الاستغفار والتوبة تعني  المراجعة للموروث وللأفكار والسلوكات على كل صعيد واستبدالها دوما بما هو أحسن  وهكذا  في عملية تصويبية  وديمومة ارتقاء ، وعندما يغدو ذلك منهجا لفئة الإيمان ، فإن الدنيا ستنقلب على أيديهم إلى جنات ونهَر لتتحقق عَمارة الأرض والنهضة المنشودة  ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهار ) فضلا عن رضى من الله وجنات ونعيم دائم في الآخرة ،

أما إذا كان الإستغفار منفصلا عن التغيير في الواقع فثمة ديمومة ارتكاسية لن نبرحها ، فعلى صعيد الأفراد قد  نجد صاحب قطيعة رحم مثلا يستغفر، ثم لا يُتبع ذلك  بوصلٍ لها  مع الندم على سالفها ، ومناصر الظالمين يستغفر دون تركه لمناصرتهم، وآكل حق أخته في الميراث يستغفر دون أن يرجع الحقوق لأصحابها وهكذا في كل ذنب معلوم ، فثمة إذن فهم خاطئ للإستغفار إن أحسنَّا الظن ،

وعلى صعيد المنظومات والمؤسسات والهيئات والجماعات في الأمة الإسلامية ، فإن الاستغفار يعني مراجعة دائمة لأفكارها ومناهجها والإستغفار من كل تقصير بترميم الثغرات وطلب المغفرة من الله تعالى ،

وما أحوجنا اليوم أن نراجع بعض مناهجنا السياسية التي أورثتنا الذل والهوان لنستغفر الله تعالى منها ونستبدلها بمناهج تحقق التحرير و العزة والكرامة والسؤدد ،

ما أحوجنا للإستغفار من منهجنا الإقتصادي الذي أورثنا التبعية والفقر وشظف العيش لنتبنى منهجا جديدا يحقق لنا الحياة الكريمة ،

ما أحوجنا ان نستغفر الله من بعض عاداتنا وتقاليدنا البالية التي تنتهك القيم وكبلت كثيرا مما أحل الله ،

ما أحوجنا أن نستغفر الله من بعض خطاباتنا الدعوية التي أضرت وشوهت أكثر مما نعت وأفادت ، فالإستغفار ثورة تصحيحية تبتغي مرضاة الله لتعمر دنيانا وآخرتنا بالفلاح ،

وما عدا ذلك فإننا سنبقى في آثار الذنوب فإن للذنوب أثر في الحياة  كما قال الله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) وكما قال عليه الصلاة والسلام ( لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم )

وأخيرا فقد يستغرب البعض أن يوجه موضوع التوبة والإستغفار لأهل الإيمان لأنه يظن أن التوبة مقصورة على أهل الفسق والفجور والكفر ، والله تعالى يقول ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )

وهو أمر إلهي واضح لأهل الإيمان يفيد الوجوب ، والنبي محمد عليه الصلاة والسلام كان يستغفر الله ويتوب إليه في كل يوم أكثر من سبعين مرة ، وهي دعوة فردية وجماعية  للمراجعة والتسديد  ، سواء على صعيد عباداتنا الشعائرية والروحية أو التعاملية والسلوكية والأخلاقية أو الفكرية والمنهجية، وهذا من صلب العبادة وتحمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وتشرف الإنسان بحملها  ،

لأن الذنوب والمعاصي وعلى رأسها الذنوب الحضارية ، إن لم تستبدل بالصالحات فثمة فساد في الأرض ، وأهل الإيمان بالله تعالى من أتباع الرسل عليهم السلام  أخذوا على عاتقهم تصحيح مسارٍ معوج فهم أولى الناس بالإستغفار وفق هذا المعنى الشمولي .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق