ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

على أعتاب خانيونس.. بيقظة الأبطال، سُحقت “سييرت متكال”.

 

في الذكرى الأولى للفشل الذريع الذي مُنيت به قيادة الاحتلال الأمنية والاستخباراتية شرق خانيونس، إثر محاولة قوة خاصة ومختارة من وحدة “سييرت متكال” التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية زرع أجهزة تجسس متطورة على شبكة اتصالات القسام في 11 نوفمبر 2018م ؛ عرضت قناة الجزيرة عبر برنامج “ما خفي أعظم” تفاصيلاً جديدة – مما سمحت قيادة الأركان في كتائب القسام بنشره – أظهرت المجريات الدقيقة للعملية الأمنية المعقّدة التي سعت القوة الخاصة تنفيذها، لكن يقظة رجال القسام وحنكة وخبرة القائد القسامي “نور بركة” بالتحديد؛ أوقعت القوة الخاصة المتستّرة تحت أسماء فلسطينية حقيقية – وتتحدث اللغة العربية بطَلاقة – في ورطة كبيرة، فقد كانت تقديرات رجال الأمن العسكري التابع للقسام أن يتم اقتياد الوحدة “المشتبه بها” إلى موقع قريب تابع للقسام لاستكمال التحقيقات، الأمر الذي كان بمثابة الكارثة الأعظم في تاريخ المنظومة الأمنية والاستخباراتية الصهيونية؛ لو حدث ووقعت القوة كاملة في الأسر لدى جنود كتائب القسام.

 

إن من أبرز ما كشفت عنه حلقة برنامج “ما خفي أعظم” هو حجم المعركة الأمنية الاستخباراتية التي تدور رحاها في الخفاء بين كتائب القسام والاحتلال الصهيوني، والتي كان من أهم تجلياتها قدرة استخبارات القسام على الوصول للتفاصيل الدقيقة عن هوية أفراد الوحدة والأدوار التي أُوكلت إليهم، ومسار رحلاتها وأماكن تدريبها في القواعد العسكرية الصهيونية المختلفة في الأراضي المحتلة، وذلك بعد سيطرة القسام على كنز معلوماتي خطير تركه أفراد الوحدة الخاصة خلفهم مُجبرين، بعد أن فروا تحت ضربات جنود القسام الذين استمروا بملاحقتهم والاشتباك معهم إلى ما قبل اخلائهم بالطائرات الحربية بالقرب من الحدود الشرقية لخانيونس، وهو ما مكّن استخبارات القسام من استخراج التسجيلات والفيديوهات الخاصة بالعملية، حيث تم فك الشيفرة الخاصة بالجنود ومعرفة مسمياتهم الوهمية، ثم ربطها بأسمائهم وصورهم الحقيقية، وهو ما يعتبر ضربة كبيرة للمنظومة الأمنية المتطورة التي يتباهى بها قادة العدو على مر العقود.

 

ومن جهة أخرى فقد كشفت الحلقة الستار عن مزيد من المعلومات المتعلقة بشبكة الاتصال السلكية “الآمنة” التابعة لكتائب القسام، والتي شكلت رافعة حقيقية للعمل العسكري، حين مكّنت قيادة المقاومة من التواصل المباشر مع القاعدة العسكرية العاملة في الميدان، وحجبت عن العدو الكثير من المعلومات التي كان يحصل عليها بسهولة من خلال التجسس والتنصت على اتصالات قيادة المقاومة عبر الأجهزة اللاسلكية، لذلك كانت شبكة الاتصالات السلكية هي الهدف الأهم والمباشر لتسلل “سييرت متكال” إلى قطاع غزة، حيث زُوّدت الوحدة الخاصة بمعدات تقنية متطورة وأدوات لوجستية متنوعة ومسدسات “كاتم صوت” ناهيك عن الدعم والاسناد الجوي من خلال الطائرات الصهيونية المسيرة التي تقدّم المعلومات أولاً بأول للوحدة المتسللة، لمساعدتها وتمكينها من أداء مهمتها في اختراق عقل المقاومة المتمثل في شبكة اتصالاتها، وبالتالي التجسس على توجيهات قادة المقاومة قبل وخلال المعارك ومعرفة نواياهم تجاه العدو، واحباط الخطط والعمليات العسكرية المعدة مسبقاً، وكذلك محاولة استهداف الأماكن الآمنة للقيادة العسكرية والعقد الدفاعية والهجومية لجنود وكوادر المقاومة.

 

ولعل من أهم الركائز الأساسية التي يمكن استخلاصها  بعد مشاهدة حلقة “ما خفي أعظم”، والتي يجب على فصائل العمل الجهادي والثوري الاهتمام بها ما يلي:

 

1- ضرورة الاهتمام البالغ بمعركة العقول وصراع الأدمغة لدى فصائل العمل الجهادي، وإنشاء وحدات متخصصة في العمل الأمني والاستخباري، والسعي الدؤوب لامتلاك القدرات التقنية والمعلوماتية وتسخيرها لخدمة المشروع الجهادي، والعمل على تدريب مجاهدين أكفاء، على مستوى من الذكاء والنباهة، ليكونوا بمثابة جدار الصد لأي محاولة للعدو لاختراق صفوف المجاهدين سواء من خلال تجنيد العملاء، أو من خلال اختراق وسائل الاتصال أو التجسس على غرف القيادة والسيطرة.

 

2- شبكة الاتصالات السلكية الخاصة بالمجاهدين هي من أهم الوسائل لضمان التواصل بين القيادة العليا والقيادة المتوسطة من جهة، وبين القيادة المتوسطة والمقاتلين على الجبهات من جهة أخرى، وهذا الأمر غاية في الأهمية لمتابعة سير المعارك وارسال الأوامر واستقبال المعلومات، ما من شأنه أن يعطي القيادة صورة كاملة ودقيقة عن مجريات المعركة لاتخاذ القرارات المناسبة، وكذلك يمكّن قيادة الجهاد والمقاومة من توجيه رسائل الثبات والطمأنة للحاضنة الشعبية من جهة، وإدارة الحرب النفسية، وتوجيه رسائل التحدي لقيادة العدو وزعزعة الروح المعنوية لجمهوره.

 

3- لا يخفى على أحد الأهمية الاستراتيجية لسلاح الأنفاق على المستويين الدفاعي والهجومي، وكذلك ما توفره الأنفاق من بيئة آمنة لتحرك المجاهدين خلال تأدية مهامهم في تقديم الدعم العسكري واللوجستي للمجاهدين على الجبهات، أضف إلى ذلك أنه السلاح الأخطر والأهم في تطوير سلاح الاتصالات السلكية والحفاظ على منظوماته وخطوطه، وحماية غرف التحكم والسيطرة الخاصة به بعيداً عن استهداف الطيران المعادي، أو المحاولات الاستخباراتية للعدو للوصول إلى مقاسم التحكم والسيطرة المزروعة في باطن الأرض.

 

إن الفشل الاستخباراتي المذل للمنظومة الأمنية للاحتلال الصهيوني في عملية “حد السيف” وسيطرة القسام على الكنز المعلوماتي المهم؛ كانت نتيجة طبيعية للاهتمام الكبير الذي توليه قيادة القسام  لمعركة العقول وصراع الأدمغة، ما مكنّها من الرقي بالقدرات الاستخبارية للمقاومة التي أضحت تشكّل عقبةً كؤود، ونداً لا يُستهان به للمستوى السياسي والأمني للعدو حين يفكّر في اتخاذ أي قرار معادي ضد قطاع غزة، وتبقى النظرية الأهم؛ أن كتائب القسام عوّدتنا أنّ ما تخفيه في جعبتها هو أكثر بكثير مما تفصح عنه في الإعلام، وهذا هو سر نجاحها واستمرارية فعلها المقاوِم وعنفوان جهادها المتواصل، وباعتقادي أن ما أفصحت عنه كتائب القسام – بما يخدم معركتها الأمنية المتواصلة- هو جزء من المعلومة الكاملة للحدث، و ما خفي كان أعظم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.