ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

سامي أبو دياك.. أقام الحجة وارتحل

انقضت ساعاته الأخيرة دون أن تتمكن والدته من احتضانه، واستشهد وحيدًا في ميدان الظلم والنسيان، فاتحًا ملف أكثر من 700 حالة مرضية “خطيرة” في سجون الاحتلال بحاجة لرعاية صحية غير متوفرة في السجون.

طرقت والدته كل الأبواب، حتى أنها سافرت ووالد الشهيد إلى الأردن للطلب من الملك الأردني التدخل للإفراج عن نجلها قبل استشهاده بساعات، فعاجلها القدر بخبر ارتقاء نجلها شهيدًا، إلى الله مرتحلًا يشكو ظلم السجان، وربما نسيان من هم خارج السجن لقضية تذكرنا بـ “عجزنا” جميعًا عبر 222 ملفًا سطرت بدماء أسرانا الأبطال منذ عام 1967.

لأكثر من 14 عامًا عانى الأسير الشهيد سامي أبو دياك (36 عامًا) من خطأ طبي ارتكبه الاحتلال خلال عملية جراحية أجريت له عام 2005 نجم عنها خطأ طبي “مزعوم” أدى لتفاقم الحالة الصحية لأبو دياك وإصابته بمرض السرطان (..).

ومارس السجان الصهيوني بحق أبو دياك سياسة قتل ممنهجة ومتعمدة؛ يُعدم عبرها الأسرى بطريقة باتت تعرف إعلاميًا بـ “الإهمال الطبي”.. تلك السياسة التي يتبعها الاحتلال الصهيوني منذ أكثر من 50 عامًا بحق المعتقلين خارقًا بذلك كل المواثيق والأعراف الدولية والإنسانية الدولية والاتفاقيات الناظمة لقضية الأسرى وقت الحرب.

222 جثمانًا، عاد بعضها وأجريت لها جنازات عسكرية، وحُملت الأخرى على أكتاف غير عربية واحتجزت في ثلاجات الاحتلال وأخرى دفنت في مقابر الأرقام، شأنها شأن الشجعان ممن استشهد في أرض المعركة أو ظلمًا أيضًا في ساحات اقتنصت فيها الحياة بسلاحٍ وفرت له الحماية اتفاقيات عارٍ لم تستطع حماية شعب تحت الاحتلال منذ 71 عامًا، بل زادت من أوجاعه.

ومع هذا الرقم، ملفات أخرى زاد عددها الأسير الشهيد أبو دياك؛ 51 جثمانًا يحتجزها الاحتلال في ثلاجات شرطته وفي مقابر الأرقام منذ عدة سنين، تُركت لا ناصر لها ولا مُحرّر.

رحل أبو دياك هو الآخر بعد بسام السايح ومن قبلهم 220 أسيرًا والقاتل واحد، طليق.. رحلوا كلهم أمام أعيننا، أو بالأحرى أمام صمتنا وعجزنا الذي يُتوج كل مرة بمسيرة هنا وتظاهرة هناك تُمتص فيها لحظة غضب ينساها المسؤول في أول هبوط “ناجح” عن منصة وضعت وسط المدينة بعيدًا عن قاتل الأسير.

ولكن ربما في رحيلهم خير لهم قبل أن يفرج عنهم أحياء ويُحَاْرَبُوا في رزقهم وقوت عيالهم بدعوى مخالفة “الشرعية” أو تهديد “الأمن القومي” برفض اتفاقيات العار ومعاهدات الخذلان.

أمام كل هذا الإجرام يُنادي المسؤول بـ “المقاومة السلمية” ويتغنى بها، ويضع قضية الأسرى في مصاف السياسة ويكيل لها بمكيالين، حتى بات مكانها “النسيان” إلا في حالات قليلة تُشبه حالة الشهيد أبو دياك ورفاقه الشهداء الأسرى.

يعتقل الاحتلال في 23 سجنًا ومركز تعذيب، لا توقيف، قرابة الـ 5500 أسير فلسطيني؛ بينهم 1800 معتقل مريض، ربما نقص العدد واحدًا بعد رحيل الشهيد سامي أبو دياك، ولكنه زاد ملفًا آخر ورقمًا على أخرى ستوضع شاهدًا على تكبيل المعاهدات التي وقعت مع الاحتلال والدالة على عدم مقدرتنا على محاسبة المحتل على جرائمه وما ارتكب من مجازر بحق “خيرة أبناء شعبنا” وفئة ذهبت لتقاتل بينما جلس آخرون في قاعات الانتظار لـ “حصد” ثمن حرية تلونت بالأحمر دم الأسير والشهيد والجريح.

سنكتب في كل مرة يستشهد فيها أسير، أو يُعدم فيها فلسطيني بريء، ومن يدري من التالي فسجون الاحتلال أقل ما يقال فيها أنها تُمثل حياة برزخ (إن جاز التعبير) بين الحرية والاعتقال، وما يطلق عليها العيادات فيها ما هي إلا “حقول تجارب” تمارس فيها جرائم طبية وانتهاكات لو تمت متابعتها جيدًا، بعيدًا عن الإحصاء والتوثيق وهرولة إلى تدويلها، لكانت شاهدًا حقيقيًا على صدق ما يقال في خطابات الساسة وكلماتهم من على منصات وسط المدينة.

دعونا لا نلوم أنفسنا فقط، فجزء مما يحدث يقع على عاتق أمتنا العربية والإسلامية، التي تركتنا فرائس لجرائم داخل السجون وخارجها، وذهب الحُكام يُهرولون طلبًا لرضى أمريكا عبر تطبيع مع الاحتلال في شتى المجالات، لا أستثني منه أحدًا، ما ترك فلسطين بكل ما فيها بدائرة خطر محدق بنا جميعًا.

رحل الأسير شهيدًا وبقينا أيتام عجزنا وصمتنا، وبقيت كلماته بيننا تلعن المتخاذل منا حتى يُحاسب الله قاتل الأسير في يوم لا يُظلم فيه أحد ولا تضيع فيه الحقوق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.