ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

القيق ينقل لحظات اليمة من عيادة الرملة

“مش رح يسمعوا صوتي، بموت كل يوم ألف مرة، خبرهم احكيلهم إنو في الرملة القبور تضم الأحياء” سامي كان يحدثني وأنا جالس بجواره على سريره “بُرشه” وكنت أنظر لوجهه الشاحب وجسده الهزيل أحاول تخدير مشاعره بحرية عاجلة،

ما إن أغادر غرفة رقم ٣ حيث ينام؛ حتى أصطدم بعربة منصور موقدة ذاك المحدق في قضبان الحديد للباب الرئيسي في الممر وكوب القهوة بجواره وأكياس البول والبراز معلقة على مقعده فيقول “معقول أطلع وأشتري سيارة وأطلع فيها أطش أنا وأم الرعد؟!” فأقول له ملتفا بوجهي متسارعا بقدماي نحو ألم آخر “الله كريم”!

أحاول أن أبقي في جعبتي بعضا من تخدير لألم ينتظر هناك في غرفة رقم “١” حيث معتصم رداد الذي يطارده الوجع في كل دقيقة؛ يتناول يوميا ٥٧ حبة دواء فيباغتني على الباب وهو يستمع للإذاعة التي تذكر الأسرى كل أسبوع مرة،

يرقب صوت أمه حتى تعطيه معنوية غابت لأكثر من ١٤ عاما، فأصطدم بعربة أيمن الكرد الشاب الجميل الذي أقعدته ١٣ رصاصة على كرسي متحرك لخصت عجز القادة، وفي زاوية الغرفة بسام ذاك السايح في غربة الوطن والمرض ارتقى شهيدا وكنا نعلم وكان الكل يعلم أن قهر الجسد سيبكي القلب ويفجع…

رغم ذلك أفتح لعبة الشطرنج متحديا وممازحا وأنادي على منصور بصوت المتحدي والذي سيُخسر بسام بعضا من الشوكولاتة والحاجيات بعد الهزيمة؛ فتسمع صوت العجلات تدور بسرعة المرح الى غرفة موت نحاول عبثا أن نطرد منها الترح..

تبدأ لعبة المواجهة فيصطف الفريقان وتنزل للطاولة أكواب الشاي والكابتشينو تشجيعا من معتصم وأمجد فأتلقى الهزيمة وبسام يضحك، ياااااااه نسينا أن نأكل الفسيخ الذي أعده لنا ناهض الأقرع ولأول مرة سوف اتذوقه في حياتي؛

نسرع إلى غرفة ٤ ولكننا نمر على غرفة ٢ المجاورة لنتسامر قليلا مع خالد الشاويش الذي سكن “برشه” وإن أراد فسحة ركب كرسيه المتحرك ليدور في جولة سياحة لا تتعدى باب الغرفة؛ فالأعصاب تهاجمه ويبدأ يرتجف والتشنج يعاتبه وكأنه ارتكب جريمة لأنه أزعج رصاص الظلم المستقر في جسده…

وفي هذه الأثناء صوت صراخ عال فيه دموع الرجال؛ من هناك من مدخل القسم الرئيسي رقم جديد وحكاية ألم منسية كانت لأشرف أبو الهدى ذاك الوسيم ويبدأ مشوار التخدير من جديد… تمكين وسيادة واستفراد..

إنه القهر يا سادة بحق الأحرار فهل من مجيب!!!

رحل بسام وهزمنا مرة أخرى وكررها سامي ومن قبلهم عويسات وطقاطقة وبارود وما زالت صرخاتهم تلعن صمتنا أتعلمون لماذا؟!

لأنهم في ثلاجات عنصريتهم وعجزنا عن تحقيق أقصى أمنياتهم.. “الموت في حضن أمهاتهم”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.