ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

كيف نفهم الانفتاح على الفرق والنحل والملل والمجتمعات؟

(دراسة في التاريخ وفقه الواقع)

تستطيع أن توفر لك وشائجك التقليدية التي نشأت بها الدفئ والحاضنة والحماية ونقطة الانطلاق، لكنها لن تمنحك الثراء المعرفي والمادي والحضاري، هذا هو حال الأحزاب والحركات والقبائل والجماعات والمجتمعات والدول والحضارات التي لعبت دوراً مميزاً في عالم الأحداث وتفاعلاتها، ويمكن أن نصفها بجماعات فتية وشابة.

تعد إحدى أهم عوامل صعود الحضارات هو مدى قدرتها ادارة الانفتاح على بقايا الحضارات المحيطة بها أو تلك الشعوب التي خضعت لها أو تلك المجتمعات التي تتصارع معها في مناطق الثغور، حدث ذلك مع العرب أثناء الفتوحات الإسلامية في الشام والعراق ومصر، حينما وجدوا أمامهم ملل وشعوب مثل اليعاقبة والسريان والروم والأرمن والأشور والكلدان والأقباط…

حدثت داخل هذه المياه الجارية قصص وحكايات وتفاصيل تؤكد أن الأوائل كان اجتهادهم منفتح وواسع في مناخاته وسياقاته عن تلك التفاسير والاجتهادات الرديئة التي وصلتنا عن حقب لاحقة.

تكرر ذلك مع الأتراك حينما زحفوا من وسط آسيا باتجاه آسيا الصغرى والأناضول والبلقان، حينها تسلقوا جدران أطلال الدولة السلجوقية وتسللوا عبر قلاع ممالك روم بيزنطة وكليكية وأرمينيا والخزر والبلغار والسلاف باتقان وبراعة وتفنن.

إن عملية تطوير نظمك الإدارية والاجتماعية والاقتصادية بالتزامن مع هذه المناخات حتما سيؤدي إلى صعود حضاري ونجاحات مميزة، واستيعاب العديد من نظم تلك الحضارات وفنونها وطرائق حياتها وفلسفاتها وقولبتها مجدداً يتناسب مع طبيعة الأشياء وسيرورتها، وتتناغم مع الكون والطبيعة وتحولاتها، يمكنك أن تقف وترفض كل شيء وتنتقد كل شيء وتطلق لمخيالك السردي العنان، لكنك ستصبح مشاكس وعبء على تلك الجموع التي تأتمر بأمرك، وستصبح مُعطل للكثير من الطاقات وستفسد تلك الأفكار الفاعلة والمنتجة والتي لا تختلف عنك كثيراً سوى أنها لا تنال إلا سهامك.

لو عكسنا ذلك على طبيعة الدولة الوطنية الحديثة تستطيع أن تمارس ذات السلوك عبر انفتاح جماعاتها وأطيافها، ولا يحسن بك أن تتقوقع وتنعزل وتعتبر كل من حولك بمثابة كُفر أو بدعة، وإلا فأنت ستخرج عن مسار التاريخ وستصبح سلعة كاسدة لا قيمة لها ولا فِعل، ليس بمقدورك أن تبدع بمعزل عن خوض غمار التجارب الجديدة والكبرى أو أن تحاول دق جدران الغرف المغلقة أو عبر اقتحام وشائج وثقافات مختلفة عنك.

لا يعقل أن تفسد كل تَحَول أو تقف جانباً ولا تشارك فيه بذريعة تفاسير واجتهادات ضيقة تخص حالة رومانسية كتبتها مرجعيات قديمة في حزبك أو جماعتك أو وشائج وأنماط تربية منعزلة تم تلبيسها لبوس الدين، ومنقطعة عن الماضي والحاضر، كلما تنقلت أو غيرت مكان سكنك أو سافرت للعمل أو الدراسة تكون قد سمحت لرياح جديدة بأن تدخل إلى هذه الأطلال والخرب أو الأبنية الباردة والدهاليز الضيقة، تضيف إليها رونقاً وجمالاً، وتحرك رياحها المادية وتعيد لها الضجيج والحيوية.

يفترض بك أن تشارك في جملة الميادين وتخوض فيها وتنفتح على الفاعلين فيها مهما كانت مشاربهم ومللهم ونحلهم وطرازهم الفكري والاجتماعي، وان الخروج من الدوائر الضيقة يمنحك هواء جديد وأنفاس رائعة ومدارك لم تحسن تحسسها وفق سياقات حياتك الخاصة ودوائرك الضيقة، لا يحسن أن يُمارِس هذا الدور إلا أناس لهم طباع متميزة، بمقدورهم أن يصبحوا رافعة لمجموعاتهم وجماعاتهم وأحزابهم وحتى قبائلهم وحساسياتهم الضيقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.